الثالث : أنّها ميل وشوق مؤكد :
وهو المنسوب للفلاسفة « 1 » ، قال السبزواري : « إنّ الإرادة فينا شوق مؤكد ، يحصل عقيب داعٍ هو إدراك الشيء الملائم إدراكاً يقينياً أو ظنياً أو تخييلياً ، موجباً لتحريك الأعضاء لأجل ذلك الشيء » « 2 » .
وهو المشهور عند الإمامية « 3 » ، وأنكره الإمام الخميني قائلًا : « فما في كلام القوم - من أنّ الإرادة هو الاشتياق الأكيد أو أنّ الاشتياق من مقدماتها - ليس على ما ينبغي » « 4 » ، وبيّن بعض الأعلام أنّ « السرّ في التعبير عنها بالشوق فينا . . . أنا لمكان إمكاننا ناقصون غير تامين في الفاعلية ، وفاعليتنا لكل شيء بالقوة ، فلذا نحتاج فيالخروج من القوة إلى الفعل إلى أمور زائدة عن ذواتنا من تصور الفعل والتصديق بفائدته والشوق الأكيد » « 5 » .
هل الإرادة بحث أصولي ؟
اعترض بعض الأصوليين « 6 » على إقحام بحث الإرادة في الأصول ؛ لكونه بحثاً كلامياً فلسفياً ، إلّاأنّ بعضهم « 7 » يرى في بحث الإرادة جنبة أصولية ينبغي التعرض لها ، وهي علاقتها بالطلب ، وهل هي متحدة معه ، أم مغايرة له ؟
قال ابن عبّاد العجلي : « الطلب المغاير للإرادة أو هو الإرادة ، أمرٌ ضروريّ التحقيق في أصول الفقه ؛ لأنّ أصول الفقه علم يبحث فيه عن دلالات الأدلة الشرعية على مدلولاتها التي هي الأحكام » « 8 » .
شبهة إرادية الإرادة
وقع البحث حول الإرادة ، هل هي إرادية أم غير إرادية ؟
وقد نشأ البحث من شبهة حاصلها : أنّ الإرادة فعل من الأفعال ، فإن كان بدون إرادة فإنّه يلزم الجبر والإلجاء في الفعل ، وإن كان بإرادة أخرى فإننا ننقل الكلام إليها ، فإما أن يتسلسل ، أو ينتهي إلى الجبر .
وقبل بيان عباراتهم ينبغي البحث في : أنّ الإرادة هل هي نفس الاختيار ، أم مغايرة له ؟ ظاهر كلماتهم أنّ الإرادة هي نفس الاختيار ، إلّاأنّ هناك من ادّعى المغايرة بينهما ، حيث جعل الإرادة عبارة عن القدرة والسلطنة ، أمّا الاختيار فهو أمر متوسط بين الإرادة والفعل ، فعند حصول الإرادة تكون للإنسان قدرة على الفعل والترك ، فإن شاء فعل وإن شاء ترك « 9 » .
جواب الشبهة :
أجاب عن هذه الشبهة بعض علماء الإمامية بما حاصله : أنّ الاختيار وإن لم يكن بالاختيار ، إلّاأنّ بعض مبادئه غالباً بالاختيار للتمكن من عدمه بالتأمل فيما يترتب على ما عزم عليه من تبعة العقوبة واللوم
هامش
( 1 ) . نسبه الرازي في المطالب العالية 3 : 175 .
( 2 ) . شرح المنظومة ( قسم الحكمة ) 2 : 648 .
( 3 ) . انظر : كفاية الأصول : 65 ، فوائد الأصول 1 - 2 : 132 ، أجودالتقريرات 1 : 135 ، نهاية الدراية 1 : 279 ، منتهى الأصول 1 : 115 ، محاضرات في أصول الفقه 2 : 38 ، بدايع البحوث 1 : 165 .
( 4 ) . رسالة الطلب والإرادة : 23 .
( 5 ) . نهاية الدراية 1 : 279 .
( 6 ) . انظر : منتقى الأصول 1 : 381 ، تحريرات في الأصول 2 : 24 .
( 7 ) . ابن عبّاد العجلي في الكاشف عن المحصول 3 : 57 ، والمحقّق الأصفهاني في نهاية الدراية 1 : 261 .
( 8 ) . الكاشف عن المحصول 3 : 57 .
( 9 ) . انظر : مقالات الأصول 1 : 212 ، محاضرات في أصول الفقه 2 : 59 ، منتقى الأصول 1 : 385 .