بالأخذ بالقدر المتيقّن ، إلّاأ نّه أضيق منه دائرة ؛ لشمول القدر المتيقّن للإجماع والعقل وبناء العقلاء ، وكذا الأدلة اللفظيّة - التي لا إطلاق فيها بسبب فقدان بعض مقدّمات الحكمة - فإنّه يؤخذ في جميعها بما هو متيقّن من أفرادها ، ويترك الزائد المشكوك على ما كان عليه من دليل أو أصل ، بينما يختصّ الأخذ بأقلّ ما قيل بصورة قيام الإجماع على الأقلّ ، وجريان الأصل في الأكثر .
ثانياً : الحكم
اختلف الأصوليون في حكم الأخذ بأقلّ ما قيل ، فمنهم من اختار وجوب الأخذ به ، كالشافعي « 1 » ، والمرتضى « 2 » ، والغزالي « 3 » ، والرازي « 4 » ، والمحقّق الحلّي « 5 » ، والبيضاوي « 6 » ، والعلّامة الحلّي « 7 » ، وغيرهم « 8 » ، مستدلين له :
أوّلًا : بالإجماع على وجوب الأقل ؛ لأنّ من يقول بالأكثر يقول بالثلث وزيادة .
وثانياً : بالبراءة عمّا زاد عن الثلث .
وخالف في ذلك جماعة « 9 » ، مستدلّين :
أوّلًا : بعدم إمكان التوصّل إلى أقلّ ما قيل بعد عدم إمكان ضبط أقوال جميع أهل الإسلام « 10 » .
وثانياً : بأ نّه لو فرض إمكان ضبطها لما صحّ الأخذ بأقلّها ؛ لأنّ ذمّة المكلّف مردّدة بين الأقلّ الذي هو ثلث الدية في المثال ، وبين ما زاد عليه الذي هو الأكثر ، والاشتغال اليقيني بها يستدعي الفراغ اليقيني بإعطائها كاملة « 11 » .
ويمكن أن يورد عليه : بأنّ مقتضى الأصل الأولي براءة الذمّة عن كلّ تكليف إلّاما ثبت بالدليل ، وقد ثبت الثلث بالإجماع فتشتغل الذمّة به ، ولا تشتغل بمازاد عليه ؛ لجريان البراءة فيه « 12 » .
شروط أقلّ ما قيل
هناك عدّة شروط ذكرها الأعلام للأخذ بأقلّ ما قيل ، وهي كما يلي :
الشرط الأوّل : أن لا يكون هناك دليل شرعي لنفي الأكثر أو ثبوته ؛ إذ معه لا يبقى مجال للتمسّك بالأصل ، ولا تجري قاعدة الأخذ بأقلّ ما قيل ؛ لأنّ جريان القاعدة متوقّف على جريان البراءة من الزائد « 13 » .
قال الرازي : اختلف الناس في العدد الذي تنعقد به الجمعة ، فقال قائلون : أربعة ، وقال قائلون : ثلاثة ، فالشافعي لم يأخذ بأقلّ ما قيل ؛ لأنّه وجد في الأكثر دليلًا ، فكان الأخذ به أولى من الأخذ بالبراءة الأصليّة « 14 » .
الشرط الثاني : أن يكون المقدار الأقلّ متّفق عليه من
هامش
( 1 ) . انظر : المستصفى 1 : 235 .
( 2 ) . الذريعة 2 : 833 .
( 3 ) . المستصفى 1 : 235 - 236 .
( 4 ) . المحصول 2 : 574 - 575 .
( 5 ) . المعتبر في شرح المختصر 1 : 32 .
( 6 ) . منهاج الوصول : 111 .
( 7 ) . نهاية الوصول 4 : 445 - 446 .
( 8 ) . انظر : البحر المحيط 6 : 27 .
( 9 ) . انظر : إرشاد الفحول 2 : 278 .
( 10 ) . الإحكام ( ابن حزم ) 5 - 8 : 48 ، إرشاد الفحول 2 : 278 .
( 11 ) . استدلّ لهم في مفاتيح الأصول : 520 .
( 12 ) . انظر : العدّة في أصول الفقه ( أبي يعلى ) 2 : 277 ، اللمع : 248 ، مفاتيح الأصول : 519 - 520 .
( 13 ) . انظر : الإبهاج في شرح المنهاج 3 : 175 ، البحر المحيط 6 : 30 .
( 14 ) . المحصول ( الرازي ) 2 : 575 .