بعض أسباب نشوء الحركة الأخبارية ومقاومتها لعلم الأصول
وقد ذكر أنّ من جملة الأسباب الباعثة على نشوء الحركة الأخبارية ومقاومتها لعلم الأصول هي :
1 - عدم استيعاب ذهنية الأخباريين لفكرة العناصر المشتركة في عملية الاستنباط ؛ فقد جعلهم ذلك يتخيلون أنّ ربط الاستنباط بالعناصر المشتركة والقواعد الأصولية ، يؤدي إلى الابتعاد عن النصوص الشرعية والتقليل من أهميتها . . .
2 - سبق السنّة تأريخياً إلى البحث الأصولي والتصنيف الموسّع فيه ، فقد أكسب هذا علم الأصول إطاراً سنّياً في نظر هؤلاء الثائرين عليه . . .
3 - وممّا أكد في ذهن بعض الأخباريين الإطار السنّي لعلم الأصول ، أنّ ابن الجنيد - وهو من رواد الاجتهاد وواضعي بذور علم الأصول في الفقه الإمامي - كان يتفق مع أكثر المذاهب الفقهية السنّية في القول بالقياس . . . ولكن ذلك لا يعني بحال أنّ علم الأصول قد استورده الشيعة من الفكر السنّي وفرض عليهم من قبله ، بل هو ضرورة فرضتها على الفقه الإمامي عملية الاستنباط ، وحاجات هذه العملية .
4 - وساعد على إيمان الأخباريين بالإطار السنّي لعلم الأصول تسرب اصطلاحات من البحث الأصولي السنّي إلى الأصوليين الإماميين وقبولهم بها ، بعد تطويرها وإعطائها المدلول الذي يتفق مع وجهة النظر الإمامية .
ومثال ذلك كلمة « الاجتهاد » . . . فتراءى لعلمائنا الأخباريين الذين لم يدركوا التحوّل الجوهري في مدلول المصطلح ، أنّ علم الأصول عند أصحابنا يتبنى نفس الاتجاهات العامة في الفكر العلمي السنّي ، ولهذا شجبوا الاجتهاد وعارضوه .
5 - وكان الدور الذي يلعبه العقل في علم الأصول مثيراً آخر للأخباريين على هذا العلم ؛ نتيجة لاتجاههم المتطرّف ضد العقل .
6 - حداثة علم الأصول ، فهو علم لم ينشأ في النطاق الإمامي إلّابعد الغيبة ، وهذا يعني أنّ أصحاب الأئمة عليهم السلام وفقهاء مدرستهم مضوا بدون علم أصول ولم يكونوا بحاجة إليه . . . فلا ضرورة للتورط فيما لم يتورطوا فيه ، ولا معنى للقول بتوقف الاستنباط والفقه على علم الأصول « 1 » .
كما أنّ بعض قد أرجع أسباب نشأة الحركة الأخبارية إلى الوضع السياسي والاجتماعي الذي أوجب نشوء نزعة التصوف عند العامة والعلماء .
ومن جهة أخرى يحدث رد فعل لهذا الغلو ، فينكر على الناس أن يركنوا إلى العقل وتفكيره . . . « 2 » .
كما نقل بعضهم عن البروجردي اعتقاده أنّ نشأة الحركة الأخبارية كانت رد فعل للمدرسة الحسيّة التي ولدت في أوروبا « 3 » .
الأخذ بالأخفِّ
جعفر الساعدي
أولًا : التعريف
هو الأخذ بأخفِّ ما قيل في مورد لم يدلّ على حكمه دليل « 4 » ، كالأخذ بحج الإفراد ؛ باعتباره أخفّ ما قيل من حج القِران أو التمتع « 5 » .
وقد وسّع بعضهم من ماهية الأخذ بالأخفّ ليشمل الاحتمالات المتخالفة التي تعارضت في إثباتها الأمارات « 6 » .
الفرق بين الأخذ بأقل ما قيل وأخفّ ما قيل
يختلف اصطلاح أقل ما قيل عن أخفّ ما قيل في : أنّه لابدّ في الأول من كون الأقل مسلّماً به بين الطرفين ، كما في دية الذمي التي اتفق الجمهور على أنّها لا تزيد على دية المسلم ، وإن اختلفوا فيما زاد عليها ، حيث حكموا بالأقل بدعوى الإجماع عليه والشك فيما زاد عليه .
وليس في مورد الأخفّ كذلك ؛ لأنّ موردها في المتباينين لا المتداخلين « 7 » ، كما في مثال الحج الذي لا يوجد بين أفراده قاسم مشترك يمكن التمسّك فيه بالإجماع « 8 » .
وهناك فرق آخر بينهما وهو : أنّ الأخذ بالأخفّ كما يتمسك به في اختلاف الأقوال ، يتمسك به في اختلاف الاحتمالات ؛ بناءً على تعريفه الموسّع ، بينما لابدّ من الاقتصار في أقل ما قيل على اختلاف الأقوال دون الاحتمالات « 9 » .
ثانياً : الحكم
اختلف فقهاء الإسلام في حكم الأخذ بأخفِّ ما قيل على عدّة آراء :
الأول : وجوب الأخذ بالأخفّ
، وهو المعروف بينهم ،
هامش
( 1 ) . المعالم الجديدة للأصول : 98 - 101 بتصرّف ، وراجع أيضاً : الرسائل ( الخميني ) 2 : 97 ، وتهذيب الأصول ( الخميني ) 2 : 513 ، وتأريخ الفقه الإسلامي وأدواره : 385 .
( 2 ) . مقدمة جامع السعادات 1 : 9 .
( 3 ) . ده كفتار ( بالفارسية ) : 104 .
( 4 ) . انظر : الإحكام ( ابن حزم ) 5 - 8 : 303 ، المحصول ( الرازي ) 2 : 576 ، الإحكام ( الآمدي ) 3 - 4 : 482 ، معارج الأصول : 214 ، نهاية الوصول 4 : 444 .
( 5 ) . انظر : الإحكام ( ابن حزم ) 5 - 8 : 304 .
( 6 ) . البحر المحيط 6 : 31 .
( 7 ) . المحصول ( الرازي ) 2 : 577 ، البحر المحيط 6 : 31 .
( 8 ) . الإحكام ( ابن حزم ) 5 - 8 : 304 .
( 9 ) . البحر المحيط 6 : 31 .