الصورة السادسة :
تعارض الندب والكراهة .
وذكر في هذه الصورة بأنّ مقتضى الاحتياط هنا تقديم جانب الكراهة على جانب الندب ؛ لأنّه في الترك يدفع اللوم على تقدير الكراهة عن نفسه « 1 » .
الصورة السابعة :
تعارض التحريم والإباحة .
مقتضى الاحتياط هنا تقديم جانب التحريم على جانب الإباحة ، باعتبار أنّ فعل المحرّم يستتبع العقاب ولا يوجد ذلك في المباح ، والاحتياط للذي يستتبع العقاب أولى من الذي لايستتبعه « 2 » .
وإليه يشير قوله صلى الله عليه وآله : « ما اجتمع الحلال والحرام إلّاغلب الحرام الحلال » « 3 » .
وذكر الجصّاص بأنّ تقديم جانب الحرمة قضية واجبة في حكم العقل « 4 » .
الصورة الثامنة :
تعارض التحريم والإيجاب .
وفي حكم هذه الصورة قولان :
القول الأول : أنّ مقتضى الاحتياط تقديم جانب الحرمة على جانب الإيجاب والاحتياط له بالترك .
وذلك لوجهين :
الوجه الأول : أنّ الغالب في الواجبات هو تحصيل المصالح وجلبها ، والغالب في المحرّمات هو دفع المفاسد ، واهتمام الشارع بدفع المفاسد أشدّ وأكثر من اهتمامه بجلب المصالح « 5 » .
الوجه الثاني : أنّ إيصال المحرّمات إلى مقصودها أتمّ من إيصال الواجبات لمقصودها ، فكانت المحافظة على الحرام أولى « 6 » .
وهو ما اختاره الأخباريون من الشيعة أيضاً ، واستدلوا له بأخبار التوقّف « 7 » .
القول الثاني : التساوي والتخيير لتعذر الاحتياط « 8 » .
وهي المسألة المعروفة ب « دوران الأمر بين المحذورين » عند مجتهدي الإمامية « 9 » .
الأمر السابع : القواعد المتفرعة عن الاحتياط
هناك بعض القواعد أُعملت في الفقه كثيراً ، واستدلوا بها لكونها تفضي إلى الاحتياط في أحكام الشارع . وهي :
1 - سدّ الذرائع
الذريعة : هي التوسل بما هو مصلحة إلى مفسدة « 10 » .
والملاحظ على هذا التعريف أنّه يختص بالذرائع المحرّمة ، بينما واقع الأمر أنّ الذريعة كما يجب سدّها يجب فتحها وتكره وتندب وتباح « 11 » ، فالذريعة يمكن أن تتصف بالأحكام الخمسة بحسب ما توصل إليه ، ولذلك عرّفها ابن قيم بقوله : « الذريعة : ما كانت وسيلة وطريقاً إلى الشيء » « 12 » ، وكلّ وسيلة أفضت إلى المأمور به شرعاً كان مقتضى الاحتياط الإتيان بها ، وكلّ وسيلة أفضت إلى شيء ممنوع عنه شرعاً كان مقتضى الاحتياط تركها .
فسدّ الذرائع نوع من أنواع الاحتياط ، ووسيلة من وسائل الحفاظ على ما أمر الشارع بتركه « 13 » .
( سدّ الذرائع )
2 - قاعدة مراعاة الخلاف
وهي إعطاء كلّ واحد من الدليلين ما يقتضيه الآخر أو بعض ما يقتضيه « 14 » .
أو هي إعمال المجتهد لدليل خصمه - المجتهد الآخر المخالف له - في لازم مدلوله الذي أعمل في عكسه دليلًا آخر « 15 » .
وقريب منه تعريف ابن المشاط له « 16 » .
ويمثّل له بذهاب مالك إلى ثبوت التوارث بين الزوجين المتزوجين بالشغار - وهو أن يقول الرجل :
زوّجني ابنتك على أن أزوّجك ابنتي - مع أنّه يذهب إلى بطلان النكاح المذكور ، لكنه إنّما أثبت التوارث فيه إعمالًا ومراعاةً لدليل الأحناف ، الذي استند إليه في صحة النكاح المذكور الذي لازمه ثبوت التوارث ، بينهما « 17 » .
وأشكل على القاعدة المذكورة بعدم اطّرادها في كلّ
هامش
( 1 ) . انظر : شرح الجلال المحلّي على جمع الجوامع 2 : 569 .
( 2 ) . انظر : المعتمد 2 : 185 - 186 ، شرح اللمع 2 : 959 - 960 ، أصول السرخسي 2 : 21 ، المحصول ( الرازي ) 2 : 484 ، الإحكام ( الآمدي ) 3 - 4 : 478 ، الإبهاج في شرح المنهاج 3 : 234 ، شرح مختصر المنتهى 3 : 664 ، حاشية التفتازاني 3 : 665 ، البحر المحيط 6 : 170 ، شرح الجلال المحلّي 2 : 569 ، فواتح الرحموت 2 : 206 .
( 3 ) . عوالي اللآلئ 2 : 132 ح 358 ، المصنّف ( عبد الرزاق ) 7 : 199 ح 12772 .
( 4 ) . أحكام القرآن 2 : 187 .
( 5 ) . انظر : الإحكام ( الآمدي ) 3 - 4 : 479 ، شرح مختصر المنتهى 3 : 655 ، حاشية التفتازاني 3 : 665 .
( 6 ) . انظر : الإحكام ( الآمدي ) 3 - 4 : 479 .
( 7 ) . انظر : الحدائق الناضرة 1 : 70 - 71 .
( 8 ) . انظر : المحصول ( الرازي ) 2 : 466 ، الإبهاج في شرح المنهاج 3 : 234 ، البحر المحيط 6 : 172 ، فواتح الرحموت 2 : 206 .
( 9 ) . انظر : مصباح الأصول 2 : 327 ، الأصول العامة للفقه المقارن : 523 .
( 10 ) . الموافقات 4 : 199 .
( 11 ) . شرح تنقيح الفصول : 449 .
( 12 ) . أعلام الموقّعين 3 : 135 .
( 13 ) . الإحكام ( ابن حزم ) 5 - 8 : 179 .
( 14 ) . الموافقات 4 : 151 .
( 15 ) . إيصال السالك : 189 .
( 16 ) . الجواهر الثمينة : 235 .
( 17 ) . انظر : شرح حدود ابن عرفة 1 : 264 - 265 ، المعيار المعرب 6 : 378 ، إيصال السالك : 189 ، الجواهر الثمينة : 235 .