دليلًا بنفسه كسائر الأدلة كالاستحسان والمصالح المرسلة . فقد استدلّ به الجصّاص على أنّ ظاهر صيغة « افعل » هو الوجوب ؛ لأنّه المناسب للاحتياط « 1 » ، وقال عنه بأ نّه أصل كبير من أصول الفقه ، وقد دلّ عليه الشرع والعقل « 2 » .
واستدلّ به الرازي على أنّ الأمر يقتضي التكرار للمأمور به ، ووجوب الإتيان به فوراً من دون تراخي « 3 » .
واستدلّ به أيضاً على حمل المشترك على معنييه عند عدم تعيين أحدهما « 4 » ، وهو ظاهر ابن الهمام « 5 » ، حيث عدّه من الأدلة ، كقول الصحابي وشرع من قبلنا ، غاية الأمر أنّه يعود تارةً إلى الكتاب وأخرى إلى السنّة ، فلا يصح جعله مقابلًا لهما .
ثانياً : الألفاظ ذات صلة
أ - الحظر :
وهو الحكم في الأشياء بعناوينها الأولية بالحرمة ولزوم الاجتناب « 6 » .
يختلف كلّ من الحظر والاحتياط موضوعاً ، فموضوع أصالة الحظر هو حكم الأشياء بلحاظ الوظيفة الأولية بقطع النظر عن أوامر الشارع ونواهيه ، بينما الاحتياط ليس من الضروري أن يكون موضوعه هو الأشياء بعناوينها الأولية ، بل يجري في الأشياء بلحاظ الوظيفة الثانوية وطرو الشك في جعل الشارع حكم لها « 7 » .
هذا مضافاً إلى أنّ مورد أصالة الحظر هو الشبهات التحريمية ، بينما مورد الاحتياط عام يشمل جميع الشبهات وجوبية أو تحريمية .
( حظر )
ب - التوقف :
وهو الامتناع عن الإفتاء بأي حكم ترخيصي أو إلزامي في موارد الشبهة « 8 » .
الفرق بين الاحتياط وبين التوقف هو : أنّ الاحتياط ناظر إلى العمل وفي مقام رفع الحيرة عن المكلّف في مقام الامتثال ، أمّا التوقف فهو ناظر إلى مقام الحكم والإفتاء .
هذا مضافاً إلى أنّ التوقف قد يكون أبلغ من الاحتياط ، فهو احتياط في مقام العمل وفي مقام الإفتاء « 9 » .
وأيضاً التوقف أعمّ مورداً من الاحتياط ، لشمول التوقف جميع موارد الشبهة حتى الأحكام التي لا يمكن فيها جريان الاحتياط ، كدوران الأمر بين المحذورين ، والأحكام المشتبهة في الأموال والأعراض والنفوس « 10 » .
ج - الاشتغال :
وهو حكم العقل بلزوم الخروج عن عهدة التكليف المنجَّز « 11 » . وقد يصطلح عليه حديثاً بالاحتياط العقلي بمعناه الثاني الذي ذكرناه في الأقسام « 12 » .
يختلف كلٌّ من الاشتغال والاحتياط موضوعاً ، فموضوع جريان الاشتغال هو العلم بالتكليف والشك في متعلقه ، كما في موارد العلم الإجمالي وقاعدة الاشتغال والشك في المحصّل ، بينما موضوع الاحتياط الشك في التكليف .
ولذا ذكر أنّ الكلام في الاحتياط إنّما يكون فيما لم يثبت اشتغال الذمة يقيناً به ، وإلّا فلو كان المورد ممّا ثبت اشتغال الذمة به ، فيكون مورداً لأصالة الاشتغال والاحتياط فيه واجب « 13 » .
ويختلف كلٌّ منهما أيضاً في ما هو الحاكم ، فالحاكم في الاشتغال هو العقل ؛ لحكمه بوجوب امتثال ما قطع المكلّف بثبوته والخروج عن عهدته ، بينما الحاكم في الاحتياط قد يكون العقل وقد يكون الشرع .
ويختلف كلٌّ منهما أيضاً في المتعلّق ، فمتعلق الاشتغال هو ذمة المكلّف ، بينما متعلق الاحتياط هو العمل ولا يضاف إلى ذمة المكلّف ، وهذا معناه أنّ الاشتغال من شؤون التكليف ، بينما الاحتياط من شوؤن المكلّف به .
( اشتغال )
ثالثاً : الأقسام
يقسّم الاحتياط بعدّة تقسيمات :
التقسيم الأول : تقسيمه بلحاظ الحكم
يقسّم الاحتياط بلحاظ الحكم إلى قسمين « 14 » :
الأول : الاحتياط المندوب
ويُعبّر عنه بالورع ، كغسل اليدين ثلاثاً إذا قام المكلّف من النوم قبل إدخالهما في الإناء للوضوء ، والجمع بين أقوال العلماء عند اختلافهم في الحكم ، واجتناب كلّ مفسدة موهمة وفعل كلّ مصلحة موهمة .
الثاني : الاحتياط الواجب
وهو ما كان وسيلة إلى تحقيق ما تحقق وجوبه ، وترك ما تحقق تحريمه .
وهو الذي يدخل في قاعدة الاشتغال أو الشبهة
هامش
( 1 ) . الفصول في الأصول 2 : 100 .
( 2 ) . المصدر السابق : 101 .
( 3 ) . المحصول 1 : 240 ، 251 .
( 4 ) . الإبهاج في شرح المنهاج 1 : 264 - 265 .
( 5 ) . التحرير 2 : 282 .
( 6 ) . انظر : شرح اللمع 2 : 977 ، العدّة في أصول الفقه ( الطوسي ) 2 : 742 .
( 7 ) . انظر : فوائد الأصول 3 : 328 - 329 ، مصباح الأصول 2 : 309 .
( 8 ) . انظر : شرح اللمع 2 : 978 ، بحوث في علم الأصول ( الهاشمي ) 5 : 79 .
( 9 ) . بحوث في علم الأصول ( الهاشمي ) 5 : 79 .
( 10 ) . فرائد الأصول 2 : 105 ، وانظر : دروس في الرسائل 2 : 398 .
( 11 ) . الأصول العامة للفقه المقارن : 505 .
( 12 ) . المصدر السابق : 506 .
( 13 ) . جامعة الأصول : 97 .
( 14 ) . قواعد الأحكام ( ابن عبد السلام ) 2 : 12 - 13 .