الأمة من الخطأ ، وقد وردت بألفاظ مختلفة .
منها : « لا تجتمع أمتي على ضلالة » « 1 » .
ومنها : « لا تجتمع أمتي على الخطأ » « 2 » .
ومنها : « عليكم بالجماعة فإنّ اللَّه لم يكن ليجمع أمّة محمّد على الضلالة » « 3 » .
وغيرها من الأحاديث التي ادّعي تواترها معنىً « 4 » .
ولازم هذه العصمة الثابتة للأمة حجّية أقوالها وأفعالها ، فيكون إجماعها حجّة واجب الاتّباع « 5 » .
وذكر الآمدي أنّ الاستدلال بالسنّة أقرب الطرق في إثبات كون الإجماع حجّة قطعية « 6 » .
ونوقش في الأحاديث المذكورة بمنع تواترها ، فتكون أخبار آحاد ، وهي لا تفيد في إثبات كون الإجماع حجّة قطعية « 7 » . وإذا سلّم تواترها فإنّ غاية ما تدلّ هو عصمة الأمة من ضلالة الكفر لا من الخطأ في الاجتهاد « 8 » .
وهناك مناقشات أخرى أوردت على تلك الأحاديث « 9 » .
وأمّا العقل :
فقد صوّره الجويني ، بأنّ العلماء في إجماعهم على حكم وعدم ظهور مخالف فيه يدلّ على أنّهم استندوا فيه إلى مستند قطعي لاتشوبه شائبة ، وإلّا فإنّ العادة جارية بظهور الاختلاف لو لم يكن المستند قطعياً .
وهذا الدليل العقلي انفرد به الجويني بعد ما منع دلالة السمع بقسميه الكتاب والسنّة على حجّية الإجماع ؛ لكونهما ظنيين في الدلالة ، والإجماع حجّة قطعية « 10 » .
ويرى الآمدي أنّ الإجماع - بناءً على هذا المبنى - لا ينعقد إلّاإذا بلغ المجمعون عدد التواتر « 11 » .
وهذه هي أهم أدلة أهل السنّة على حجّية الإجماع ، التي كانت تصب جهدها على إثبات عصمة الأمة ، وكاشفية إجماعها عن مستند معتبر استند إليه المجمعون في إجماعهم .
وأمّا الإمامية ، فالنقطة المركزية في حجّية الإجماع عندهم هي مقدار كشفه عن السنّة وعدم كشفه ، وبهذا الاتجاه يكون الإجماع حجّة أو لا يكون ، فإذا أمكن تصوير كاشفية الإجماع عن السنّة فهو حجّة ، وإلّا فهو ليس بحجّة « 12 » .
ولذا يُذكر الإجماع عند الإمامية في عداد الطرق والوسائل الكاشفة عن السنّة « 13 » ، ولذلك ينصب الجهد
هامش
( 1 ) . مجمع الزوائد 1 : 177 .
( 2 ) . شرح نهج البلاغة 8 : 123 .
( 3 ) . مصنّف ( ابن أبي شيبة ) 8 : 672 كتاب الفتن ، باب ( 2 ) ما ذكر في فتنة الدجال ح 161 .
( 4 ) . انظر : إحكام الفصول : 488 ، شرح اللمع 2 : 679 ، المستصفى 1 : 207 ، المحصول ( الرازي ) 2 : 37 - 39 ، الإحكام ( الآمدي ) 1 - 2 : 186 - 187 ، شرح مختصر الروضة 3 : 18 ، نهاية الوصول ( العلّامة الحلّي ) 3 : 180 - 181 .
( 5 ) . انظر : شرح اللمع 2 : 677 - 678 ، المستصفى 1 : 206 - 207 ، المحصول ( الرازي ) 2 : 39 ، الإحكام ( الآمدي ) 1 - 2 : 186 .
( 6 ) . الإحكام 1 - 2 : 186 .
( 7 ) . انظر : البرهان في أصول الفقه 1 : 262 ، المحصول ( الرازي ) 2 : 40 ، شرح مختصر الروضة 3 : 22 ، نهاية الوصول ( العلّامة الحلّي ) 3 : 184 .
( 8 ) . شرح مختصر الروضة 3 : 23 .
( 9 ) . انظر : البرهان في أصول الفقه 1 : 262 ، المستصفى 1 : 208 - 210 ، المحصول ( الرازي ) 2 : 44 - 46 .
( 10 ) . البرهان في أصول الفقه 1 : 262 - 263 .
( 11 ) . الإحكام 1 - 2 : 190 .
( 12 ) . انظر : رسائل الشريف المرتضى 1 : 205 ، غنية النزوع 2 : 370 ، أصول الفقه ( المظفر ) 3 - 4 : 110 - 111 .
( 13 ) . انظر : الأصول العامة للفقه المقارن : 188 ، دروس في علم الأصول 1 : 276 .