القول الأول : إمكان الوقوف والاطلاع عليه ، وهذا هو الرأي المشهور عند الإمامية « 1 » .
القول الثاني : عدم إمكان الوقوف والاطلاع عليه ، وهو اختيار الشيخ جمال الدين العاملي « 2 » ، والسبزواري « 3 » ، والمجلسي « 4 » ، ونَسبه الطباطبائي إلى المحقّق الحلّي « 5 » .
وقد علّل ذلك كلٌّ من المجلسي والسبزواري : بأنّ القدماء من الأصحاب لم يكن من عادتهم تدوين الفتوى ، بل كان دأبهم هو نقل الروايات والتصنيف فيها وجمعها ، وعليه فلا يمكن الاطلاع على أقوالهم حتى يتحصّل الإجماع « 6 » .
وعلّله السيد محمد العاملي « 7 » ، وكذا الشيخ جمال الدين طبقاً لمبناه في حجّية الإجماع - نظرية التضمين - فذكر أنّ دعوى الإجماع من زمان الشيخ الطوسي ( ت 460 ه ) إلى الزمان الحاضر متعذّرة ؛ لكون الإجماع الدخولي يشترط فيه وجود مجهول النسب وهو منتفٍ ، نعم الإجماع من القدماء القريبين لعصر الغيبة يمكن تحصيله « 8 » .
وينبغي الإشارة إلى أنّ ما يذكر في حجّية الإجماع من مبنى ، يؤثّر على مقدار تحصيل الإجماع ومدى الاقتناع بكاشفية ما حصّل من الفتاوى عن رأي المعصوم عليه السلام .
الأمر الثالث : حجّية الإجماع .
ذهب جمهور المسلمين إلى أنّ الإجماع حجّة ، خلافاً لجماعة من المعتزلة « 9 » .
واستدلّ له بعدة أدلة من السمع - الكتاب والسنّة - والعقل ، وعمدة ما استدلّ به جمهور أهل السنّة - ما عدا الجويني - هو السمع وأنكروا الاستدلال له بالعقل « 10 » .
أمّا الكتاب :
فقد استدلّوا منه بآيات أهمها :
الآية الأولى :
« وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً »
« 11 »
.
حيث إنّه تعالى توعّد بالنار على اتّباع غير سبيل المؤمنين ، وجعله بمنزلة مشاقّة الرسول صلى الله عليه وآله ، وسبيل المؤمنين ما اتفقوا وأجمعوا عليه ، فيكون اتّباعه واجباً على كلّ أحد ، وهو معنى حجّية الإجماع « 12 » .
واستشكل في دلالة الآية ، إمّا بكونها ظاهرة في كون المراد ب
« سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ »
هو نصرته صلى الله عليه وآله ، والذبّ عنه والانقياد لأوامره فيما يأمر به ، فضلًا من ترك مشاقته صلى الله عليه وآله ، وهذا لا علاقة له بالإجماع « 13 » . وإمّا بالدور ؛ حيث إنّه استدلال بها للإجماع بالظهور ، وإنّ حجّية الظهور متوقفة على الإجماع ؛ لأنّ حجّية الظهور ثابتة بسبب الإجماع عليها ، وهو الدور « 14 » .
هامش
( 1 ) . انظر : نهاية الوصول ( العلّامة الحلّي ) 3 : 131 ، الوافية : 153 ، الفوائد الحائرية : 388 ، الفصول الغروية : 252 ، مفاتيح الأصول : 495 ، الأصول العامة للفقه المقارن : 262 .
( 2 ) . معالم الدين : 175 .
( 3 ) . ذخيرة المعاد : 50 .
( 4 ) . مرآة العقول 1 : 23 .
( 5 ) . مفاتيح الأصول : 495 .
( 6 ) . انظر : مرآة العقول 1 : 23 ، كشف القناع : 57 ، ذخيرة المعاد : 50 .
( 7 ) . مدارك الأحكام 1 : 43 .
( 8 ) . معالم الدين : 175 .
( 9 ) . انظر : العدّة في أصول الفقه ( الطوسي ) 2 : 601 - 602 ، الإحكام ( الآمدي ) 1 - 2 : 170 .
( 10 ) . انظر : اللمع : 181 ، المستصفى 1 : 205 ، 211 ، المحصول ( الرازي ) 2 : 8 - 47 ، الإحكام ( الآمدي ) 1 - 2 : 170 - 191 .
( 11 ) . النساء : 115 .
( 12 ) . انظر : الفصول في الأصول 3 : 262 ، المستصفى 1 : 206 ، المعتمد 2 : 7 ، إحكام الفصول : 486 ، شرح اللمع 2 : 668 - 669 ، البرهان في أصول الفقه 1 : 261 ، المحصول ( الرازي ) 2 : 8 - 9 ، شرح مختصر الروضة 3 : 15 .
( 13 ) . المستصفى 1 : 206 .
( 14 ) . شرح مختصر الروضة 3 : 15 .