الشريعة من ذلك نجد تقارباً كبيراً من حيث الحقوق المعطاة ، لكنّ الفرق الكبير والجوهري أنّ الاتّفاقية لها قوّة القانون بالنسبة للدول المصدّقة عليها ، أمّا أحكام الشريعة فلها وقعها عند الشعوب والأفراد التي تدين بالإسلام والتي تعتبر تلك الحقوق حقوقاً مقدّسة من اللَّه تعالى ، وليست ملزمة بقوّة القانون الوضعي .
إنّ أثر الشريعة في نفس المؤمن عظيم جدّاً ، وقدرتها على تحويله إلى جادّة الصواب أكبر ؛ لأنّها تفعل في داخل النفس ، وترتبط بعمق الإيمان ؛ لذلك أرى أنّ للمرأة في لبنان وفي المنطقة العربية حقّاً في أن يخلّى بينها وبين ما أقرّه الإسلام لها من مكانة وحقوق ؛ لأنّ الواقع العملي لا يلتزم بتلك الحقوق ولا يحافظ لها على تلك المكانة ، والسبب غياب الإسلام أو تغييبه عن سلطة التشريع وسلطة التنفيذ والمراقبة . في ظلّ هكذا أجواء يكون الخيار بين الدعوة إلى ممارسة أحكام الشريعة في المجتمع على من يؤمنون بها وبين المطالبة بتنفيذ القانون العالمي للعائلة . وبين هذا وذاك فلا طائل من محاولة تجاهل الحقائق والتركيبة الاجتماعية للبلد ، ولا فائدة من فرض نموذج لا تتكيّف معه المعطيات الاجتماعية لمنطقتنا ، وإلّا فإنّنا نكون ضالعين في تحريف فكرة التمثيل الشعبي وإرادة الناس ، فإنّه أقرب إلى الصواب أن نحيي العدالة والمساواة في الإسلام بين الرجل والمرأة على أنّ لا نجرّب التشريعات العالمية للمرأة وللعائلة الغريبة والبعيدة عن تاريخنا وتراثنا ، والتي صنعت تحت إشراف أُمم غالبة تريد أن تعدّل قناعات وتغيّر تركيبات اجتماعية لتصبح على شاكلتها ، فتسود من بعدها ، ليس على المستوى العسكري والاقتصادي فقط ، بل على المستوى الاجتماعي والثقافي .
إنّ التشريعات العالمية فيها العديد من الأُمور الإيجابية ، وقد تكون هادفة ، لكنّها - شئنا أم أبينا - تحمل صورة الإنسان في المجتمع الغربي على مستوى التقاليد والعادات والتطوّر التاريخي ، في حين أنّ لنا تشريعاتنا المقدّسة التي حال دوننا ودونها الجهل والاستعمار .
موسوعة أعلام الدعوة والوحدة والأصلاح — صفحة 573
مساهمون: محمد الساعدي
ص٥٧٣