واستبداد من الحاكمين بالمحكومين ، وسيطرة لقوى الفساد وعوامل الضعف والانحلال ، وتردٍّ في مهاوي الرذيلة ، أصبح به الإنسان الناطق أحطّ درجة من الحيوان الأعجم ، واضطربت به شؤون الحياة ، واختلفت موازينها ، ووقف به العلم على شفا حفرة من النار والدمار .
فلمّا بزغت هذه الشمس الساطعة بدّد اللَّه بها هذا الظلام الدامس ، وأحيا بها تلك القلوب الميّتة ، وسلّط شعاعها الوهّاج على كلّ ناحية من نواحي الحياة ، وألّف بها بين المتنافرين ، وأصلح بين المتخاصمين ، وأسفل العداوات التي أنهكت القوى ، وأنزع السخائم التي عطّلت المواهب وطغت على العقول ، فإذا أُمّة ناشئة فتية متّحدة متعاونة ، ترفع بيمينها راية الإصلاح العالمي في العقيدة والشريعة والنظام والسياسة والعلم والأخلاق ، وتهدي للتي هي أقوم ، وتنادي بالحقّ والعدل ، وتحارب الفساد والظلم ، وتعلن لأوّل مرّة حقّ الإنسان في أن يعيش حرّاً كما خلقه اللَّه ، وحقّ العقل في أن ينطلق حرّاً في مجال الكون يفكّر ويتتبّع ويستقري فيستدلّ ويستنبط ، وحقّ المجتمع في نعمة الأمن والطمأنينة والقرار .
انطلق المسلمون يحملون هذه الراية ، وينشرون هذه الرسالة ، فتفتّحت أمامهم أبواب العالم ، وانطوت فيهم المدنيات . وتمثّلت في ثقافتهم الثقافات كما تتمثّل في جني النحل أزاهير النبات وأعاصير الثمار ، وولجوا بالقرآن كلّ باب ، واستجلّوا بالسنّة المطهّرة كلّ غامض ، وكانت عقولهم صافية ، وقلوبهم صافية ، فلم تعبث الأوهام والخرافات بالأُولى ، ولم تفسد الأضغان والأحقاد بالثانية ، فكانوا في العلم والفكر هداة راشدين ، وفي التعاون والتضافر على الحقّ والخير مثلًا عالياً للمتّقين ، ووقف العالم ينظر إليهم مذهولًا مشدوهاً ، وأحسّ أرباب السلطان وأعوان الطغيان بالأرض تميد تحتهم وتضطرب بهم ، وأدرك الباطل والفساد أنّ قوّة لا تقاوم تزلزل عليهما عرشهما وتقوّض بناء هما ، وأنّ مصيرهما أمام هذه القوّة الانهزام والاندحار أو التسليم والاستخذال ، فآثر الأُخرى على الأُولى ، وخفضا رأسيهما إلى حين ، حتّى إذا واتتها الفرصة حين أثمرت عوامل التفرّق الأوّل بين المسلمين
موسوعة أعلام الدعوة والوحدة والأصلاح — صفحة 325
مساهمون: محمد الساعدي
ص٣٢٥