الجمعيات والجماعات ، ولو احتفلت لم يكن في احتفالها بذلك ما يعاب ، ولجرت مع العرف المتّبع لدى الناس . لكن الجماعة رأت أن تعدل عن هذه الصورة ؛ لأنّها منذ نشأتها لم تحفل بهذه التشكيلات ، التي هي في الأعمّ الأغلب خداع للأبصار ، وانصراف عن الجدّية ، ومنذ نشأتها ووكد رجالها إفناء ذواتهم في العمل الصامت الدائب ، لرفع شأن المسلمين ، وبثّ روح المودّة والتراحم بين طوائفهم ، ولمّ شملهم ، وإزالة ما قد يكون بينهم من نزاع :
إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ
( سورة الأنبياء : 92 ) .
لقد كان أوّل من دعا إلى تأليف هذه الجماعة العالم الحجّة المجتهد الأُستاذ محمّد تقي القمّي منذ قدم مصر في أوائل الأربعينيات ، والتقى بصفوة رجالها وخيرة مفكّريها الإسلاميّين ، وكان التقريب بين الطوائف الإسلامية شغله الشاغل ، عاش معه ، وحمل لوائه ، وجاهد في سبيله ، وبذل ما يملك من قوّة مادّية ومعنوية في الدعوة إليه ، والتعريف به ، وجمع السادة الأعلام من علماء السنّة والشيعة على كلمته . وما زال ( أبقاه اللَّه للمسلمين ) ، يرعى فكرته ، ويتعهّد غرسه ، ويوفّر إقامته وأسفاره على كلّ ما يحقّق أهداف التقريب ، ويكسب النجاح لدعوته .
ويمكننا أن ندرك مبلغ هذا النجاح ونقدّره قدره ، إذا عرفنا أنّ هذه الدعوة المؤمنة الصحيحة قوبلت في مطلعها ممّن لم تحسن نواياهم بالعداوة والبغضاء ، ورميت منهم ورمى المقبلون عليها بالتهم والظنون ، وتألّب عليها الفريقان اللذان يراد التقريب بينهما وتبصير كلّ منهما بحقيقة الآخر وما يكنّ لصاحبه من أُخوّة ومودّة ، فقد تشكّك السنّيون في دعوة يعنى بها ويقوم على أمرها شيعي ، وتشكّك الشيعيّون في دعوة يحيط بالداعي الشيعي إليها سنّيون ، يفرض أنّهم أعداء الشيعة وأبعد الناس عن القول بما يقولون !
لقد كان ذلك من عجائب الأُمور ، وكان حرياً أن يميت الدعوة في مهدها ، ويحول بينها وبين الوصول إلى أفئدة المسلمين ، لكنّ الجماعة خرجت على الناس منذ نشأت سافرة مسفرة صريحة ناصعة ، باطنها كظاهرها ، وسرّها كعلانيتها ، وليلها كنهارها ، وسارت في طريقها المستقيمة ، بعيدة عن الإعلانات الشخصية وعن الدعاية أو الزلفى لكائن من الناس