تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة أعلام الدعوة والوحدة والأصلاح — صفحة 485

مساهمون:

ص٤٨٥
فصول مشروعه بالاتّجاه الاجتماعي ، وخصوصاً أنّ معظم أهالي بعلبك في ذلك التاريخ كانوا من أهل السنّة . وهنا يقول تلميذه ابن العودي كما جاء في الدرّ المنثور : « كنت في خدمته في تلك الأيّام ، ولا أنسى وهو في أعلى مقام ومرجع الأنام وملاذ الخاصّ والعامّ ، يُفتي كلّ فرقة بما يوافق مذهبها ، ويدرّس في المذاهب كلّها ، وصار أهل البلد كلّهم في انقياده ومن وراء مراده بقلوب مخلصة في الوداد ، وحسن الإقبال والاعتقاد ، وقام سوق العلم فيها على طبق المراد ، ورجعت إليه الفضلاء من أقاصي البلاد ، ورقى ناموس السادة والأصحاب في الازدياد ، وكانت عليهم تلك الأيّام من الأعياد » . وقد عمل الشهيد الثاني على ضرورة إحياء الحوار بين المسلمين بدلًا عن القطيعة والانغلاق ، بأن جعل نفسه ميداناً ونموذجاً لحالة حوار داخلي ؛ إذ مضى يجوب مراكز العلم في الجوار ، من دمشق إلى القدس ثمّ مصر ، التقى كبار شيوخها متعرّفاً قارئاً متحمّلًا ، حتّى غدا حجّة في فقه المذاهب ، ثمّ خطا خطوة مدهشة باتّجاه تعميم تجربته الشخصية ونقل الحوار الداخلي إلى ميدانه الأجدر به ، فإذا هو يجلس في جامع بعلبك الأعظم ( المدرسة النورية ) ، يدرّس ويفتي على المذاهب الخمسة ، ويستعرض رأي كلّ مذهب منها ، ويشفعه بما يستدلّ له ، ثمّ يقارن فيما بينها . وثقافة الشهيد الثاني الفقهية كانت نتيجة تلاقح المدارس الفقهية الإسلامية في ذهنه الخلّاق ، وهذه ظاهرة فذّة في ثقافة الشهيد الفقهية ، تجتمع فيه سعة الذهنية الفقهية التي تتّسع إلى أكثر من مذهب ومدرسة . وقد كان ؛ واعياً بضرورة أن يعرف الشيعة فقه المذاهب السنّية ، وأن يعرف السنّة فقه المذهب الشيعي ؛ لأنّ المعرفة والعلم هما قاعدة التفاهم والتقارب ، ولتعزيز الحوار ، وتجاوز إشكاليات الانغلاق والجهل المتبادل . ومن جملة أساتذة أهل السنّة الذين درس الشهيد الثاني على أيديهم : شمس الدين ابن طولون الدمشقي الحنفي ، وشهاب الدين أحمد الرملي الشافعي ، وشهاب الدين ابن النجّار