تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة أعلام الدعوة والوحدة والأصلاح — صفحة 313

مساهمون:

ص٣١٣
بعضهم بعضاً ، وهدم بعضهم بيوت بعض ، حتّى تحوّلت لبنان وبيروت خاصّة إلى خرائب . . وهذه الفتنة اتّخذت مع الأسف صفة الطائفية ، فالفرقاء فيها سنّة وشيعة ودروز ومارونيّون . . غير أنّها في الواقع لم تكن طائفية ، بل لم تكن فتنة لبنانية أصلًا . . ولا أدلّ على ذلك أنّها انتهت حين تمّ « الاتّفاق » في مؤتمر « الطائف » ، ولو كانت المسألة طائفية ولبنانية لما انتهت بمجرّد انعقاد هذا الاتّفاق . وهكذا أغلب الفتن التي يراد لها أن تسمّى طائفية ، ويراد لها أن تأخذ طابع الدين ، إنّها في الواقع نتيجة مصالح متصارعة خارجة عن إطار الفئات المتنازعة المتقاتلة ، والدين منها بُراء ، والجماهير لا مصلحة لها في مثل هذه النزاعات أبداً . العالم الإسلامي شهد ألوان الصراعات الطائفية والقومية والحدودية والإقليمية ، وكانت المصالح المذكورة تغذّي هذه الصراعات وتسعّر نيرانها مستغلّة طبعاً ضعف المستوى الثقافي للجماهير المسلمة ، غير أنّ الحالة التي تمرّ بها أشعرت الجميع بأنّ الصراع في العالم الإسلامي ليس فيه غالب ومغلوب ، بل كلّ المسلمين به مغلوبون ، ولا غالب فيه سوى القوى التي تريد أن تصادر ثروات المسلمين وتتحكّم في رقابهم ، وتسيطر على مقدّراتهم ، وتستهين بكرامتهم . أعتقد أنّ العالم الإسلامي لم يشعر في القرون الأخيرة بخطر يهدّد كيانه وهويته ووجوده كما يشعر اليوم ، فالغزو هدّام لا يرحم ، والهيمنة خانقة لا تدع مجالًا للتنفّس ، والاستهتار بالمقدّرات بلغ ذروته ، وعمليات التصفية العرقية للمسلمين اتّخذت أبشع صورها . . كلّ هذه الفجائع لم تبق لذي عقل شكّاً في أنّ المسلمين أمام خيارين لا ثالث لهما : إمّا التوحّد ، وإمّا الطوفان . هذا الذي نشهده على الساحة الإسلامية يمثّل نتيجة طبيعية لسيادة الشعور بفداحة الخطب الذي يلمّ بالمسلمين ، وبهواجس ما ينتظرهم في المستقبل . وممّا لا شكّ فيه أنّه سيوفّر الظروف النفسية والفكرية والعاطفية لتقارب المسلمين على صعيد علمائهم وشعوبهم ومفكّريهم وسائر فصائلهم .