الثانية والخمسين ، إذ في شهر رمضان المبارك وفي فجر يوم الخميس الثاني عشر وبعد الإمساك والقيام للصلاة وفي الركعة الثانية التحقت روحه ببارئها راضية مرضية ، حيث كان مبيته ليلة الجمعة في قبره الذي نسأل اللَّه أن يكون روضة من رياض الجنّة ، كان ذلك يوم 12 رمضان الموافق ل 18 سبتمبر سنة 1975 م ، أكثر من ثلاثين سنة مضت وكأنّ الرجل مات من سنوات قريبة ، ولا يرجع هذا الحضور التلقائي الربّاني المتواصل إلّالإخلاصه فيما بذل من جهود وما قام به من أعمال ( وما كان للَّهدام واتّصل ) ، فالرجل لم يقم له إلّاأربعينية محتشمة في مقرّ جمعية المحافظة على القرآن الكريم بمبادرة من بعض إخوانه وأصدقائه لم تنل حتّى جزءاً - ولو قليلًا - من التغطية الإعلامية ، اللهمّ إلّاذلك العدد الخاصّ من مجلّته « جوهر الإسلام » التي أسّسها وبذل في سبيلها الغالي والنفيس من صحّته وممّا يحصل عليه من دخله الذي لهم يتجاوز راتبه الذي بارك اللَّه له فيه ، فأنفق منه على أُسرته وأقربائه وأكرم به أصدقاءه وأحبابه وإخوانه من علماء الأُمّة الإسلامية الذين كانوا لا يمرّون بتونس دون أن يأكلوا وحتّى يقيموا في بيته المتواضع بمقرين .
إنّ كلّ من تقول لهم : إنّ الشيخ الحبيب المستاوي رحمه الله توفّي في عمر الخمسين يستغربون ولا يصدّقون ، فيقولون : أكلّ تلك الصولات والجولات بالقلم واللسان في أغلب مدن تونس وقراها مدرّساً ومحاضراً على منابر اللجان الثقافية في المناسبات الدينية في ذكريات المولد والهجرة والإسراء والمعراج وغزوة بدر وفتح مكّة وليلة القدر ، فقد كان رحمه الله لا يتأخّر عن دعوة توجّه إليه ، يركب سيّارته يسوقها بنفسه أو بمساعدة من يكون بجانبه من أصدقائه وتلاميذه ، وما أكثرهم ، وما أشدّ عطفه عليهم ، وما أصدق تعلّقهم به ، فقد كان لهم أُستاذاً وأباً شفوقاً لا يبخل عليهم بما بين يديه من قليل ما يملك ولكنّه كثير يباركه اللَّه .
ولم يقتصر هذا الحضور للشيخ الحبيب المستاوي رحمه الله على الداخل ، بل تجاوزه إلى خارج البلاد ، فقد كان عنصراً بارزاً في بعثة تعليمية أُرسلت إلى الشقيقة ليبيا ، فكان المدرّس بمعهد أحمد باشا بطرابلس ، وكان المعدّ للحصص الدينية في الإذاعة الليبية ، يكتب الحديث الديني ويلقيه بصوته الجهوري المجلجل ، ويحرّر المسرحية الهادفة ، وكان
موسوعة أعلام الدعوة والوحدة والأصلاح — صفحة 270
مساهمون: محمد الساعدي
ص٢٧٠