وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهارَ * وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ * وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ )
« 1 »
.
فإنّ هذا النصّ القرآني الشريف بعد أن يستعرض ما استخلف اللَّه عليه الإنسان من ثروات الكون ، وطاقاته ، ونعمه الموفورة ، أشار إلى لونين من الانحراف : أحدهما الظلم ، والآخر كفران النعمة . والظلم يعني سوء التوزيع ، وعدم توفير هذه النِعَم لأفراد الجماعة على السواء ، وهو ظلم بعض أفراد الجماعة للبعض الآخر . وكفران النعمة يعني تقصير الجماعة في استثمار ما حباها اللَّه به من طاقات الكون ، وخيراته المتنوّعة ، أي التوقّف عن الإبداع الذي هو في نفس الوقت توقّف في السير نحو المُطلَق ، نحو اللَّه تعالى ، وهذا ظلم الجماعة لنفسها .
وهذه الإشارة تُحدِّد في الوقت نفسه ، مسؤولية الجماعة بين يدي المستخلِف سبحانه وتعالى في أمرين :
أحدهما : العدل في توزيع الثروة ، أي أن لا يقع تصرّف في الثروة التي استُخلِفت عليها الجماعة ، تصرّفاً يتعارض مع خلافتها العامّة وحقّها ككلٍّ في ما خلق اللَّه .
والآخر : العدل في رعاية الثروة وتنميتها ، وذلك ببذل الجماعة طاقاتها في استثمار الكون ، وإعمار الأرض ، وتوفير النعم .
المرحلة الثانية من الاستخلاف : هي استخلاف الأفراد ، الذي يتّخذ من الناحية الفقهية والقانونية شكلَ الملكية الخاصّة ، والاستخلاف هنا من الجماعة للفرد ، ولهذا أضافت الآية الكريمة أموال الأفراد إلى الجماعة في النصّ القرآني الآنف الذكر ،
هامش
( 1 ) إبراهيم : 32 - 34 .