ينظر إلى الأرض ، ويأخذ بعالم الغيب قبل أن يأخذ بالمادّة والمحسوس .
وافتتانه العميق بعالم الغيب قبل عالم الشهادة ، هو الذي عبّر عن نفسه على المستوى الفكري في حياة المسلمين ، باتّجاه الفكر في العالم الإسلامي إلى المناحي العقلية من المعرفة البشرية ، دون المناحي التي ترتبط بالواقع المحسوس .
وهذه الغيبية العميقة في مزاج الإنسان الشرقي المسلم ، حدّدت من قوّة إغراء المادّة للإنسان المسلم ، وقابليتها لإثارته ؛ الأمر الذي يتّجه بالإنسان في العالم الإسلامي - حين يتجرّد عن دوافع معنوية للتفاعل مع المادّة وإغرائه باستثمارها - إلى موقف سلبيّ تُجاهها ، يتّخذ شكل الزهد تارةً ، والقناعة أخرى ، والكسل ثالثةً .
ولكن إنّما يمكن أن تؤدّي نظرة إنسان العالَم الإسلامي إلى السماء قبل الأرض إلى موقف من هذه المواقف السلبية ، إذا فُصلت الأرض عن السماء . وأمّا إذا البست الأرض إطار السماء ، وأعطي العمل مع الطبيعة صفة الواجب ، ومفهوم العبادة ، فسوف تتحوّل تلك النظرة الغيبية لدى الإنسان المسلم إلى طاقة محرِّكة ، وقوّة دفع نحو المساهمة بأكبر قدر ممكن في رفع مستوى الحياة .
وهذا بالضبط ما تصنعه الدولة الإسلامية ، فإنّها لاتنتزع من الإنسان نظرته العميقة إلى السماء ، وإنّما تُعطي له المعنى الصحيح للسماء ، وتسبغ طابع الشرعية والواجب على العمل في الأرض ، بوصفه مظهراً من مظاهر خلافة الإنسان للَّهعلى الكون ، وبهذا تجعل من هذه النظرة طاقة بناء ، وفي نفس الوقت تحتفظ بها كضمان لعدم تحوّل هذه الطاقة من طاقةِ بناء إلى طاقة استغلال .
فالمسلمون الذين يمارسون إعمار الأرض - بوصفها جزءاً من السماء التي يتطلّعون إليها ، ويساهمون في تنمية الثروة ، باعتبارهم خلفاءَ عليها - أبعد ما يكونون عن الزهد السلبي ، الذي يُقعِد بالإنسان عن دوره في الخلافة ، وأقرب ما يكونون إلى الزهد الإيجابي ، الذي يجعل منهم سادةً للدنيا لا عبيداً لها ، ويحصّنهم
مجتمعنا في فكر وتراث الشهيد السيد محمد باقر الصدر — صفحة 405
مساهمون: السيد منذر الحكيم
ص٤٠٥