إنّ هذا الوعي السياسي العميق هو رسالة السلام الحقيقي في العالم ، وإنّ هذه الرسالة المنقذة لَهي رسالة الإسلام الخالدة ، التي استمدّت نظامها الاجتماعي - المختلف عن كلّ ما عرضناه من أنظمة - من قاعدة فكرية جديدة للحياة والكون .
وقد أوجد الإسلام بتلك القاعدة الفكرية النظرةَ الصحيحة للإنسان إلى حياته ، فجعله :
1 - يؤمن بأنّ حياته منبثقة عن مبدأ مُطلَق الكمال .
2 - وأ نّها إعداد للإنسان إلى عالم لا عناء فيه ولا شقاء .
3 - ونصب له مقياساً خُلقياً جديداً في كلّ خطواته وأدواره ، وهو : رضا اللَّه تعالى .
فليس كلّ ما تفرضه المصلحة الشخصية فهو جائز ، وكلّ ما يؤدّي إلى خسارة شخصية فهو محرَّم غير مستساغ ، بل الهدف الذي رسمه الإسلام للإنسان في حياته هو الرضا الإلهي ، والمقياس الخُلقي الذي توزن به جميع الأعمال إنّما هو مقدار ما يحصل بها من هذا الهدف المقدّس ، والإنسان المستقيم هو الإنسان الذي يحقّق هذا الهدف ، والشخصية الإسلامية الكاملة هي الشخصية التي سارت في شتّى أشواطها على هدى هذا الهدف ، وضوء هذا المقياس ، وضمن إطاره العامّ .
وليس هذا التحويل في مفاهيم الإنسان الخُلقية وموازينه وأغراضه ، يعني تغيير الطبيعة الإنسانية ، وإنشاءها إنشاءً جديداً كما كانت تعني الفكرة الشيوعية . فحبّ الذات - أي حبّ الإنسان لذاته وتحقيق مشتهياتها الخاصّة - طبيعي في الإنسان .
ولا نعرف استقراءً في ميدان تجريبيّ أوضح من استقراء الإنسانية في تأريخها الطويل ، الذي يُبرهن على ذاتية حبّ الذات ، بل لو لم يكن حبّ الذات طبيعياً وذاتياً للإنسان لَمَا اندفع الإنسان الأوّل قبل كلّ تكوينة اجتماعية إلى تحقيق حاجاته ، ودفع الأخطار عن ذاته ، والسعي وراء مشتهياته بالأساليب البدائية التي حفظ بها
مجتمعنا في فكر وتراث الشهيد السيد محمد باقر الصدر — صفحة 300
مساهمون: السيد منذر الحكيم
ص٣٠٠