يقولون له : أنعم صباحاً ، وأنعم مساءً ، وهي تحيّة أهل الجاهليّة ، فأنزل الله :
وَإِذا جاؤُكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ
فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : « قد أبدلنا اللّه بخير من ذلك ، تحيّة أهل الجنّة : السلام عليكم » .
( مستدرك الوسائل 8 : 366 )
قال المحقّق : جاء في تفسير الميزان للسيد الطباطبائي ( 5 : 31 ) : الأُمم والأقوام على اختلافها في الحضارة والتوحّش والتقدّم والتأخّر ، لا تخلو في مجتمعاتهم من تحيّة يتعارفونها عند ملاقاة بعضهم البعض ، على أقسامها وأنواعها : من الإشارة بالرأس واليد ، ورفع القلانس ، وغير ذلك ، وهي مختلفة باختلاف العوامل المختلفة العاملة في مجتمعاتهم .
وأنت إذا تأمّلت هذه التحيّات الدائرة بين الأُمم - على اختلافها ، وعلى اختلافهم - وجدتها حاكيةً ومشيرةً إلى نوع من الخضوع والهوان والتذلّل يبديه الداني للعالي ، والوضيع للشريف ، والمطيع لمطاعه ، والعبد لمولاه ، وبالجملة تكشف عن رسم الاستعباد الذي لم يزل رائجاً بين الأُمم في أعصار الهمجيّة فما دونها وإن اختلفت ألوانه .
ولذلك ما نرى أنّ هذه التحيّة تبدأ من المطيع وتنتهي إلى المطاع ، وتشرّع من الداني الوضيع وتختتم في العالي الشريف ، فهي من ثمرات الوثنيّة التي ترتضع من ثدي الاستعباد .
والإسلام - كما تعلم - أكبر همّه إمحاء الوثنيّة ، وكلّ رسمٍ من الرسوم ينتهي إليها ويتولّد منها ، ولذلك أخذ لهذا الشأن طريقةً سويّةً ، وسنّةً مقابلةً لسنّة الوثنيّة ورسم الاستعباد ، وهو إلقاء السلام الذي هو بنحو أمن المسلّم عليه من التعدّي عليه ، ودحض حرّيته الفطرية الإنسانية الموهوبة له ، فإنّ أوّل ما يحتاج إليه المجتمع المتعاون بين الأفراد هو أن يأمن بعضهم بعضاً في نفسه وعرضه وماله ، وكلّ أمر يؤول إلى أحد هذه الثلاثة ، وهذا هو السلام الذي سنّ الله تعالى إلقاءه عند كلّ تلاقٍ من متلاقيَيْن ، قال تعالى :
فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبارَكَةً طَيِّبَةً
« 1 » وقال تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ
هامش
( 1 ) . النور : 61 .