أثير ، كانت معتزّة به أيما اعتزاز ، دائماً كانت تفصح عن حبّها له ، وفخرها به ، فتترنّم مغرّدةً :
هذا أخٌ لي لم تَلدْهُ أُمّي * وليسَ مِن نَسْلِ أبي وعمّي
فأَنْمِهِ اللّهم فيمن تُنْمي « 1 »
أحياناً كانت ترقّصه ، وهي تغنّي على وقع حركاته :
يا ربّنا أَبقِ لنا محمداً * حتّى أراه يافِعاً وأَمْردا
ثم أراه سيّداً مسوّداً * واكْبِتْ أَعاديه معا والحُسَّدا
وأعطه عزّاً يدوم أبدا
مرّة خرجت به إلى البادية ، تلاعبه وتشدو له ، فاستغرقها اللعب والشدو ، حتّى علت بهما الظهيرة ، واشتدّت عليهما وقدة الهجير ، فإذا أُمها : حليمة السعدية عند رأسها ، تخطفه من بين ذراعيها ، وتضمّه إلى صدرها ، عسى أن تحميه من نار الشمس الملتهبة ، ثم تصيح غاضبةً بابنتها الشيماء : ويحك ! في هذا الحرّ ؟
فتنبري الابنة ، تردّ عن حليمة خوفها عليه : يا أمه ، ما وجد أخي حرّاً .
وتضيف وهي ترفع إصبعاً تشير بها إلى بقعة رمادية سابحة في السماء : رأيت هذه الغمامة تظلّ عليه ، إذا وقف وقفت ، وإذا سار سارت « 2 » . وكان حقّاً ما قالت الصغيرة .
وامتلأت حليمة السعدية عندئذٍ رضىً وطمأنينة ، وضمّت في أحضانها الرضيع وهي تدعو له : أعوذ باللَّه من شرّ ما نحذر على ابني .
وعادت به ، والدنيا كلّها في عينيها المتألّقتين رجاء ومحبّة ونور .
واللَّه يدبّر ، والزمن يسير ، وتترى الآيات والبشارات ، على امتداد عمر هذا الوليد ، تبين للعالمين ، آناً بإلماح وآناً بإفصاح ، أنّه هو البشير النذير .
هامش
( 1 ) . الأبيات من الرجز ، ذكرها العاصمي في سمط النجوم 1 : 310 ، والبيت الثاني منها :فديته من مِخْوَل معمِّ * فأنْمِهِ اللّهم فيما تُنمي( 2 ) . حكاه الواقدي بسنده عن عطاء عن ابن عباس . راجع البداية والنهاية 2 : 256 .