فابتدرت على الأثر عيناه ، تدحرجت على وجنتيه قطرات عبرات ، وارتدّت نظراته المغشاة بمثل الضباب إلى ماضيه . . . ثم تردّدت أنفاسه همسات : « خديجة ! وأين مثل خديجة ؟ ! » « 1 » .
ذكرىً ليس شيء أثمن منها في كنوز حصائل العمر ، ولا أغلى قيمةً في نفائس ما تكنّه الذاكرات ، إعزاز لا يطاول مواظئه إعزاز ، حبّ يعايش خفق القلب ، ما بقي في النفس ذماء « 2 » ، وفاء ثابت الجدّة ، دائم الخضرة ، سرمدي « 3 » البقاء ، لا تبليه الأيام ، لا ينتهي بنهاية دهر الناس ، لا يفتأ يمتدّ على منبسط الوجود ليبلغ النشور ، ثم يأوي إلى الخلود في رحاب اللَّه .
فثمة لخديجة في العلّيّين مقامٌ كأسمى مقام ، ثمة بيت في الجنّة من قصب ، لا صخب ولا نصب ، بل سلام سلام .
* * * ويؤوب الرسول من رحلة الذكريات ، فيلقي إلى « أم أيمن » بنظرة لا تزال بها بقية من حزنه القديم الجديد ، ولكنّها تحمل قبوله لما جاءت فيه .
ثم يمضي مشيئته .
نعم ، آن الزفاف . . . فإذا برحت المرأة ومعها الابتهاج ، دعا إليه علياً فأمره أن يولم للناس ، إنّه ليودّ أن تشاركه الدنيا في فرحه بالغالية الحبيبة ، وإنّه من فرط الغبطة ليحسّ خفّةً في جوارحه ، حتّى ليبدو كمن يمشي على ماء .
ويغصّ « 4 » بالوافدين المكان ، من كثرتهم الكاثرة يكاد يضيق عنهم الهواء .
فكيف تكفيهم المآكل يكاد يضيق عنهم الهواء .
هامش
( 1 ) . المناقب للخوارزمي : 350 ف 20 ضمن ح 364 .
( 2 ) . الذماء : البقية من الشيء
( 3 ) . السرمد : الخلود .
( 4 ) . يغصّ بالشيء : يمتلأ به .