تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رجالات التقريب — صفحة 396

مساهمون:

ص٣٩٦
بالعرف الذي نزل فيه القرآن بالدين يكون لرجل على آخر فيطالبه به عند حلول أجله فيقول له الآخر : آخر دينك وأزيدك على مالك فيفعلان ذلك . ( وهو الربا أضعافا مضاعفة ) فنهاهم الله عنه في الإسلام ، وأوضح أن هذا الصنيع لا يجري عادة إلا بين معدم غير واجد وموسر يستغل حاجة الناس غير مكترث بشيء من معاني الرحمة التي يبني الإسلام مجتمعه عليها ، والتي لو عدمت في المجتمعات لأصبحت كغابات الحيوانات المتفرسة ، وهذا النوع من لا تقبل إنسانية فاضلة الحكم بإباحته ، وقد قابل القرآن الكريم حرمته في جميع الآيات التي وجد فيها بالصدقة التي تبذل في مساعدة الفقير المحتاج ، وتشير هذه المقابلة إلى أن تلك الحالة كان جديرا بها أن تجري فيها الصدقة وهي التبرع المحض فإن لم تكن صدقة فلا أكثر من الرد بالمثل ، ومن النظرة إلى الميسرة
يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ
« 1 » .
لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ ، وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ
« 2 » . أما الزيادة والمضاعفة فهما ظلم وعدوان وهما من موجبات المقت والغضب عند الله
وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ
« 3 » . والفقهاء تمشيا مع توسيع نطاق التراحم والبعد عما يفتح على الناس باب التزاحم المادي في الضغط على أرباب الحاجات توسعوا كثيرا فيما تناوله الربا ، وكان لهم في ذلك مشارب مختلفة وآراء متعددة ، ورأى كثير منهم أن الحرمة فيما يحرمون تتناول المتعاقدين معا المقرض والمقترض وإني الشيخ شلتوت اعتقد أن ضرورة المقترض وحاجته ما يرفع عنه إثم ذلك التعامل لأنه مضطر أو في حكم المضطر والله يقول :
وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ
« 4 » وقد صرح بذلك بعض الفقهاء فقالوا يجوز للمحتاج الأستقراض بالربح « 5 » وإذا كان للأفراد ضرورة أو حاجة تبيح لهم هذه المعاملة وكان تقديرها مما يرجع إليهم وحدهم وهم مؤمنون بصيرون بدينهم فإن للأمة أيضا ضرورة أو حاجة كثيرا ما تدعو إلى الاقتراض بالربح ، فالمزارعون كما نعلم تشتد حاجتهم في زراعاتهم وإنتاجهم إلى ما يهيئون به الأرض الزراعية ،
هامش
( 1 ) - البقرة / 276 . ( 2 ) - البقرة / 279 - 280 . ( 3 ) - آل عمران / 131 . ( 4 ) - البقرة / 119 . ( 5 ) - راجع البحر الرائق شرح كنز الدقائق لأبن نجيم الحنفي ، ج 6 ، ص 137 ، ط دار المعارف الأشباه والنظائر لأبن نجيم ، ط دار الكتب العلمية سنة 1985 ، ص 92 .