تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رجالات التقريب — صفحة 391

مساهمون:

ص٣٩١
شيخا للأزهر الشريف أصدر فتواه الشهيرة بشأن المذاهب الاسلامية ، وهي جواز اتباع مذهب الإمامية الجعفرية أو الزيدية مقررا أنها ليست فتوى رجل واحد وإنما هي فتوى كل أولئك الرجال الذين حملوا أمانة التقريب . ونستطيع تلمس دعوته للتقريب ونبذه للعصبية المذهبية وحبه للوحدة بين المسلمين في قوله : ( إن المتقي لله في مقام ابتغاء العلم هو ذلك الذي لا تأخذه عصبية ولا تسيطر عليه مذهبية ولا ينظر يمينا أو شمالًا دون قصده . كنت أود لو أستطيع أن أصور بنفسي فكرة الحرية المذهبية الصحيحة المستقيمة على نهج الإسلام والتي كان عليها الأئمة الأعلام في تاريخنا الفقهي أولئك الذين كانوا يترفعون عن العصبية الضيقة ويربئون بدين الله وشريعته عن الجمود والخمول ، فلا يزعم أحدهم أنه أتى بالحق الذي لا مرية فيه ، وأن على سائر الناس أن يتبعوه ، ولكن يقول ( هذا مذهبي وما وصل إليه جهدي وعلمي ولست أبيح لأحد تقليدي واتباعي دون أن ينظر ويعلم من أين قلت ما قلت فإن الدليل إذا استقام فهو عمدتي والحديث إذا صح فهو مذهبي ) . ثم يقول مصورا جمال الوحدة بين المسلمين وكمالها : كنت أود لو أستطيع أن أتحدث عن الاجتماعات في دار التقريب حيث يجلس المصري إلى الإيراني أو اللبناني أو العراقي أو الباكستاني أو غير هؤلاء من مختلف الشعوب الإسلامية ، وحيث يجلس الحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي بجانب الأمامي والزيدي حول مائدة واحدة تدوي أصوات فيها آداب وعلم وفيها تصوف وفقه وفيها مع كل ذلك روح الأخوة وذوق المودة والمحبة وزمالة التعليم والعرفان . ثم هو يبين لنا الأسباب التي دعت إلى الفرقة والعصبية ويرشدنا إلى كيفية الخروج منها والعمل على إزالتها ، ليتوحد الصف الإسلامي فيقول : لقد كان أكثر الكاتبين عن الفرق الإسلامية متأثرا بروح التعصب الممقوت ، فكانت كتاباتهم مما تورث نيران العداوة والبغضاء بين أبناء الملة الواحدة ، وكان كل كاتب لا ينظر إلى من خلفه إلّا من زاوية واحدة وهي تسخيف رأيه وتسفيه عقيدته بأسلوب لا يليق بالمسلم ، وشره أكثر من نفعه ثم يقول عن الوحدة وأنها مطلب أساسي للجماعة المسلمة : إن الله سبحانه طلب من الأمة الإسلامية أن توحد كلمتها فلا تكون شيعا وأحزابا يضرب بعضهم رقاب بعض ، وقد استغل المستعمرون أسباب الفرقة بين المسلمين أسوأ استغلال ، ورغم أن المصلحين من المسلمين تنبهوا إلى الأضرار التي تحيق بدينهم وبلادهم من جراء هذه الفرقة فنادوا بوجوب وحدة الصف الإسلامي والتخلي عن أسباب النفرة بين أبناء الملة الواحدة ، والعقيدة الواحدة ، وليست الدعوة إلى تقريب المذاهب الاسلامية دعوة إلى لقاء أو غلبة مذهب على حساب مذهب آخر ولكنها دعوة على تنقية المذاهب من الشوائب التي أثارتها العصبيات والنفرات الطائفية وأذكتها العقلية الشعوبية . ولقد فهم المسلمون الأولون حقيقة هذا