ومداركه الذوقية اللسانية ، وتصوراته الدقيقة للحقائق الشرعية ، والآراء والأنظار المقصدية ، عجِل - لا كما يعجل كل مُطَوَّع إلى حلقات التدريس من أجل أن ينتسب إلى هذا الجامع انتساب المتعلم والمعلم - ولكن ليبدأ طريق الإفادة ، ويتمكن بعد من تدريس أمهات الكتب ، وأفانين العلوم ، على منهج بديع ، وأسلوب رفيع ، كان يحدّث به نفسه من وقت التحاقه بهذا المعهد ، للأخذ عن أشياخه ، ونيل مختلف المعارف والآداب منهم وعن طريقهم .
فكان وهو يتوجّه في اليوم الأول إلى حلقة درسه ، ليقوم بدوره المجيد في تعليم الأجيال وتلقينها مقوّمات المعرفة ، وحقائق العلم ، وجميل الأخلاق ، وكمال التربية ، وحسن الاستعداد ، والتضلّع بالطاقات والكفاءات ، لمواجهة الحياة والوقوف أمام التحديات ، ومسايرة التقدم والرقي ، بالأخذ بأسباب النهضة والقوّة ، يراجع نفسه ويتحسّر على ما فاته بسبب ما مسّ التعليم الإسلامي من الوهن قائلًا : « وإنّي على يقين أنَّنِي لو أتيح لي في فجر الشباب التشبّع من قواعد نظام التعليم والتوجيه لاقتصدت كثيراً من مواهبي ، ولاكتسبت جمّاً من المعرفة ، ولسَلِمت من التطوّح في طرائق ، تَبيّنَ لي بعد حين الارتدادُ عنها . مع أني أشكر ما منحت به من إرشاد قيّم من الوالد والجَد ومن نصحاء الأساتذة . ولا غِنى عن الاستزادة من الخير « 1 » .
ثم وهو في أول مراحل التدريس يعلّم طلابه مبادئ العربية وقواعد المنطق يشعر بالحيدة عن الحق ، ويقوم مع الشيخ محمد الخضر حسين صديقه بنقد ذاتي ، يستشعران به في دروسهما إضاعة الأوقات النفيسة عليهما ، وعلى من وكل أمرهم إليهما بالتلقّي عنهما من الطلاب . فكتب الشيخ الخضر في رحلته الجزائرية مقالات صرّح فيها بأنّه كان ممّن ابتُلي في درسه باستجلاء المسائل المختلفة الفنون ، متوكئاً على أدنى مناسبة ، حتى أفضى الأمر إلى ألّا يتجاوز في درسه شطر بيت من ألفية ابن مالك مثلًا . فتراجع قائلًا : ثم أدركت أنها طريقة منحرفة المزاج عن الإنتاج « 2 » .
وقال الشيخ ابن عاشور : وأنا عرَض لي مثل ذلك في تدريس المقدمة الآجُرُّومية . فكنت آتي في دروسي بتحقيقات من الشاطبي على الألفية ، وفي درس مقدمة إيساغوجي أجلب مسائل من النجاة لابن سينا . ثم لم ألبث أن أقلعت عن ذلك « 3 » .
ويظهر أن الذي نبّههما إلى الترك بعد الإقدام ما كان عليه طلبتهم من سوء فهم ، فإن عقولهم ومداركهم لم تمكّنهم من ذلك ، كما أنهما ذَكَروا ما يقتضيه إصلاح خير الدين ، ونص عليه القانون في الباب الثاني ، الفصول 7 - 22 المتعلقة بالمنهج وبواجبات الأستاذ . ونص ذلك : « أن يضع
هامش
( 1 ) - محمد الطاهر ابن عاشور . أليس الصبح بقريب : 9 .
( 2 ) - مجلة السعادة العظمى : تونس ، عدد 19 ، شوال 300 : 1323 .
( 3 ) - محمد الطاهر ابن عاشور . أليس الصبح بقريب : 10 .