أمّا في ميدان السياسة فقد أثّر جمالالدين في من حوله ، وسعى إلى إيقاظ الشعور الوطني ، وإثارة الرغبة في الحصول على نظم حرة ودستورية ، وكان له أيضاً أثر في الحركة الوطنية التي شبّت سنة 1882 وأدت إلى ضرب الإسكندرية بالقنابل ، ووقعة التلّ الكبير ، واحتلال الإنجليز لمصر . وقد أخرج هذا المهيج الملهب للخواطر من مصر قبيل ذلك ، أي في سبتمبر عام 1879 ، ذلك أنّ جهوده السياسية كانت شجى في حلق الممثل البريطاني ، كما كان بعثه للدراسات الفلسفية مثيراً لحفيظة أهل الجمود في الأوساط الأزهرية ، فنفي بسعاية الإنجليز من مصر ، وأعتقل في الهند ، في حيدرآباد ، ثم في كلكته ، ثم سمح له بمغادرتها بعد قمع فتنة عرابي ، وألّف رسالته في الردّ على الدهريِّين في أثناء إقامته في حيدرآباد ( انظر مادة « الدهرية » ) .
وقد عرفنا من مذكرة لولفرد سكاون بلنت (
W . S . blunt )
الذي كان معنياً بالسياسة المصرية ( في براون
Browne
ص 401 ) أمراً لم يذكره غيره من كتاب سيرة جمالالدين ، وهو أنّ السيد خرج من الهند قاصداً أمريكا وبقي فيها بضعة شهور ، وكان في نيته أن يتجنّس بالجنسية الأمريكية ، والظاهر أنّه لم ينفذ هذا العزم ، ونجده في سنة 1883 في لندن ، وقد أقام فيها زمناً قصيراً ، وغادرها إلى باريس فمكث بها في صحبة صديقه وتلميذه الوفي محمد عبده الذي أصبح فيما بعد مفتي الديار المصرية ، وأوقف قلمه على مناهضة التدخّل الإنجليزي في مصائر الشعوب الإسلامية ، ورحّبت أمهات الصحف وأوسعها سلطاناً بمقالاته في سياسة روسيا وانجلترا في الشرق ، وسير الأمور في مصر وتركيا ومغزى الحركة المهدية التي قامت في السودان آنئذ ، واهتمت الدول ذات الشأن بمقالاته هذه اهتماماً كبيراً .
وفي ذلك الوقف أيضاً ثارت بينه وبين أرنست رينان مناظرة بصدد محاضرة ألقاها رينان في السربون عن الإسلام والعلم ، زعم فيها أنّ الإسلام لايشجع البحث العلمي ، وأراد جمالالدين أن يرد على رينان ، فكتب مقالًا ظهر أولًا في « جورنال ده دبا
Journal des Debats
» ( نشر أيضاً باللغة الألمانية - انظر مصادر هذه المادة ) ولا بأس من أن نشير في هذا المقام إلى أنّ محاضرة رينان قد ترجمها بُعَيْدَ ذلك إلى العربية حسن