تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمال الدين الحسيني ( داعية التقريب والتجديد الإسلامي ) — صفحة 110

مساهمون:

ص١١٠
ومهما يكن من شيء فقد قضى جمال‌الدين السنين الأولى من طفولته وشبابه في أفغانستان ، ودرس في كابل كافة العلوم الإسلامية العالية حتى بلغ الثانية عشر ، كما صرف همّه إلى دراسة الفلسفة والعلوم الرياضية على الأسلوب التقليدي المأثور في الشرق الإسلامي . ثم أمضى أكثر من سنة في الهند ، وحجّ إلى مكة عام 1273 ه / 1857 م ، وما إن عاد من الحجّ إلى أفغانستان حتى دخل في خدمة الأمير دوست محمدخان ، وقد اصطحبه دوست في حملته على هراة . وتوفّي هذا الأمير فخلفه على العرش أمير شير علي ، وكان جمال‌الدين من خلصاء محمد أعظم أخي الأمير الجديد ، فانغمس في النزاع الذي نشب حول ولاية العرش ، ولمّا دالت دولة مولاه ، وكان وزر له مدة قصيرة ، صمم على الرحيل من أفغانستان . فتذرّع بأنّه يريد الحج مرة أخرى ( 1285 ه . / 1869 م ) وسافر إلى الهند وظلّ بها مدة قصيرة ، ثم قصد إلى مصر وأقام بها أربعين يوماً ، اتصل في أثنائها بالأوساط الأزهرية ، وألقى في داره دروساً خاصة . ثم رحل إلى استانبول فبلغها سنة 1287 ه / 1870 م ، وكان قد سبقه إليها صيته العريض ، فاستقبله وجوه القوم فيها استقبالا حاراً ، وسرعان ما عيّن في مجلس التعليم ، ودعي إلى إلقاء محاضرات في مسجد آيا صوفيا ومسجد أحمدية ، وألقى السيد على الطلبة في دار الفنون وبمحضر كثير من علية القوم محاضرة في فائدة الفنون والصناعات ، فذكر فيها النبوة وعدّها من مختلف الوظائف الاجتماعية ، فانتهز الفرصة شيخ الإسلام حسن فهمي ، وكان ينفس على السيد ازدياد شهرته ونفوذه ، فرماه بالدعوة إلى آراء هدّامة ، إذ جعل النبوة من الصناعات ! وعرف جمال‌الدين بالدسائس التي حاكها له خصومه ، فاستقرّ عزمه على مغادرة استانبول ، وتوجه إلى القاهرة فتلقّاه أولو الأمر والطبقات المثقفة بالحفاوة والترحاب ، وأجرت عليه الحكومة المصرية 12000 قرش سنوياً دون أن تطالبه بأداء عمل رسمي معيّن ، فغدا مطلق الحرية يعلّم الشباب الذين التفّوا حوله في بيته ويلقي عليهم أحاديث حرة في فروع الفلسفة والدين العالية ، ويرشدهم في الوقت نفسه إلى سبيل الكتابة والتحرير .