هامش
- 5 - الأصل في الإنسان الفقر لسبقه حيث يولد خالي اليد فيكتسب بعمله ويصبح غنيا .
غير أنّهم قالوا : إنّ الناس محمولون على الملاء لغلبته ، فهذا من جملة ما تعارض فيه الأصل والغالب ، وقدّم الأخير فيه .
وفرّعوا على ذلك : أنّ زاعم الإعسار يعتبر مدّعيا وإن وافقه الأصل الذي هو الفقر ، فهو المدّعي والمطالب بالبيّنة على الإعسار .
وأمّا الظاهر فيستفاد من أحد أمرين :
أوّلهما : العرف ، ويعبّر عنه بالمعهود والغالب والعادة .
واستدلّوا على حجّيته بقوله تعالى :خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ( سورة الأعراف 7 : 199 ) .
وقد قالوا : العرف مقدّم على الأصل ، وكلّ أصل كذّبه العرف رجح هذا الأخير عليه .
واستثني من ذلك بعض المسائل ، منها : ما لو ادّعى الصالح التقي العظيم المنزلة والشأن في العلم والدين على أفسق الناس وأدناهم علما ودينا درهما واحدا ، فإنّ الغالب صدقه ، والأصل براءة الذمّة ، فيقدّم الأصل على الغالب في هذه الصورة .
لاحظ : القوانين الفقهية لابن جزي 198 ، تهذيب الفروق 4 : 119 - 120 .
ثانيهما : القرائن وظواهر الحال وغلبة الظنّ .
فمن حاز شيئا مدّة يتصرّف فيه ، ثمّ ادّعاه غيره ، فإنّه يرجّح قول الحائز في دعوى الملكية ، ويكون الآخر مدّعيا ؛ لأنّ قوله يخالف الظاهر المستنبط من الواقع والقرائن ، فيكلّف بالبيّنة ، فإن عجز عنها وقعت دعواه بيمين الحائز .
انظر القوانين الفقهية لابن جزي 197 - 198 .
وقد استثنى المالكية من القاعدة السابقة في التمييز بين المدّعي والمدّعى عليه بعض المسائل ، إمّا للمحافظة على المصلحة العامّة ، وإمّا للضرورة .
كما في قول الأمناء في تلف الأمانات التي بين أيديهم ، فإنّه يقبل مع أنّ الأصل عدمه ؛ لأنّه أمر عارض ، وإنّما قبل كيلا يزهد الناس في قبول الأمانات فتفوت هذه المصلحة .
وكما في قول الغاصب بتلف المغصوب ، فإنّه يقبل مع يمينه ؛ للضرورة ، ويعتبر مدّعى عليه ؛ إذ لو لم يقبل قوله واعتبر مدّعيا لكان مصيره الخلود في السجن . -