وكأنّ أصحاب ( المجلّة ) أرادوا هذا الوجه الأخير ، فقصرت عباراتهم عن القصد الصحيح حيث جعلوه ضابطة للخصم الذي لا يتعلّق به غرض أصلا وإنّما المهمّ هو المدّعي والمنكر ، فساء البيان واختلّ الميزان وتنافرت الإطاعة والعصيان !
ثمّ إنّ تلك التعاريف قد تنطبق على مورد واحد متصادقة عليه وقد تتنافر في موارد أخرى .
هامش
- راجع الأم 6 : 247 .
ويظهر ممّا تقدّم أنّ الشقّة ليست بعيدة بين المعيار الذي قال به المالكية من أجل التمييز بين المدّعي والمدّعى عليه وبين المعيار الذي قال به الشافعية ، بل إنّهما يكادان يتشابهان على ما قيل ، والخلاف بينهما منحصر في التطبيق ، وذلك عندما يتعارض أمران من أمور الظاهر ، فالشافعية يرون الأصل أقوى منابع الظهور غالبا ، والمالكية يرون أنّ دلائل الحال من عرف وقرائن أقوى من ذلك ، وكلّ منهما قدّم الأقوى في نظره وجعل مخالفه مدّعيا وعليه البيّنة .
الاتّجاه الثاني : ما ذهب إليه معظم فقهاء الحنفية وبعض فقهاء المذاهب الأخرى ، وهو :
تعريف المدّعي بأنّه : من إذا ترك الخصومة لا يجبر عليها ، والمدّعى عليه بعكسه .
انظر : المبسوط للسرخسي 17 : 31 ، الوجيز 2 : 260 ، المغني 12 : 162 ، تبيين الحقائق 4 :
291 ، تبصرة الحكّام 1 : 124 .
ومثله قول الحنابلة ، إلّا أنّهم ذهبوا إلى : اشتقاق تعريف المدّعي والمدّعى عليه من تعريف الدعوى نفسها ، فالمدّعي عندهم هو : منشئ الدعوى ، والمدّعى عليه هو : من يضاف استحقاق شيء عليه وإذا سكت لم يترك .
لاحظ المغني 12 : 162 .
وقال بعض الفقهاء : المدّعي هو : من يطالب غيره بحقّ يذكر استحقاقه عليه ، والمدّعى عليه :
من يطالبه غيره بحقّ يذكر استحقاقه عليه .
وقال آخرون : المدّعي هو : من يلتمس قبل غيره لنفسه عينا أو دينا أو حقّا ، والمدّعى عليه هو : من يدفع ذلك عن نفسه .
لاحظ بدائع الصنائع 8 : 417 .