الحجازيّة » ، فلم يرعوا ما بأهل المدينة من الحزن اللاعج والأسى الدفين ، وجعلوا همّهم كلّه أن يكرهوا القوم على نسيان خطب الحسين واصطناع الولاء المغتصب ليزيد .
فحملوا إلى دمشق وفدا من أشراف المدينة لم يلبثوا أن عادوا إليها منكرين لحكم يزيد مجمعين على خلع بيعته ، وراحوا يقولون لأهل المدينة :
« إنّا قدمنا من عند رجل ليس له دين ، يشرب الخمر ، ويضرب بالطنابير ، ويعزف عنده القيان ، ويلعب بالكلاب ، ويسمر عنده الخراب » « 1 » .
وقال رئيسهم عبد اللّه بن حنظلة الأنصاري - وهو ثقة عند القوم لصلاحه وزهده - : « لو لم أجد إلّا بنيّ هؤلاء - وكان له ثمانية بنين - لجاهدت بهم . وقد أعطاني وما قبلت عطاءه إلّا لأتقوّى به » « 2 » .
والتهبت نار الثورة بالألم المكظوم والدعوة الموصولة ، فأخرج المدنيون والي يزيد وجميع من بالمدينة من الأمويين ومواليهم ، وأعلنوا خلعهم للبيعة .
وصدق ابن حنظلة النيّة ، فكان يقدّم بنيه واحدا بعد واحد حتّى قتلوا جميعا ، وقتل بعدهم أنفة من حياة يسام فيها الطاعة ليزيد وولاته .
وبدا في ثورة المدينة أنّ يزيد لم يستفد كثيرا ولا قليلا من عبرة كربلاء ؛ لأنّه سلّط على أهلها رجلا لا يقلّ في لؤمه وغلّه وسوء دخلته وولعه بالشرّ والتعذيب وعبثه بالتقتيل والتمثيل عن عبيد اللّه بن زياد ، وهو
هامش
( 1 ) تاريخ أبي مخنف 2 : 8 ، تذكرة الخواص 288 - 289 ، سمط النجوم العوالي 3 : 199 .
( 2 ) تاريخ خليفة 148 ، المنتظم 6 : 19 ، البداية والنهاية 8 : 221 .