ومن عجائب الحيل التي تحاول بها الغرائز الإنسانيّة أن تبقى وجودها وتمضي لطيّتها ، أنّ بني أميّة انتفعوا من حرب الإسلام للعصبيّة في تعزيز عصبيتهم ، فجعلوها حجّة على بني هاشم : أنّ النبوّة لا تحصر الأمر فيهم ، وأنّ الأنبياء لا يورّثون « 1 » .
وإذا نهضت هذه الحجّة على بني هاشم ، فبنو أميّة أقوى المنتفعين بها من بطون عبد مناف !
وقد أوجبت الضرورة قبل المجاملة في هذه المنافسات فترة من الزمن على عهد معاوية بن أبي سفيان ، فكان يلطف القول إلى أبناء علي ويواليهم بالهدايا والمجاملات ، ولكنّه كان مضطرا إلى مجاملة آل علي ومضطرا إلى تنقّص علي والغضّ من دعواه ، فكان بذلك مضطرا إلى النقيضين في آن [ واحد ] .
إنّه ملك ، وبايع بالملك ليزيد وهو يعلم أنّه غالب بالسلاح والمال
هامش
( 1 ) هذه هي مقالة الخليفة أبي بكر لفاطمة الزهراء عندما طالبته بحقّها في فدك . لاحظ تاريخ اليعقوبي 2 : 127 .
ولا يخفى أنّ القول : بأنّ الخلافة خرجت عن بني هاشم وأهل البيت لئلا يقال : إنّ خلافتهم ملك متوارث ، وما في معناه .
مردود : بأنّ الخلافة مقام ومنصب ديني ، ولن يتم ويحصل منها الغرض إلّا إذا قام بها أخصّ الناس بالدين وأولاهم بالمسلمين ، ولو كان لمثل هذا التخرّص حكم لما أوجب اللّه تعالى الصلاة على النبي صلّى اللّه عليه واله وسلّم وآل بيته عليهم السّلام ، ولما جعل لهم الخمس ، ولما افترض على الأمّة حبّهم ، فالجواب عن هذه الأمور هو الجواب عن الخلافة .
هذا على نحو الاختصار ، وإلّا فالمقام مقام كلام طويل جدّا طويت عنه كشحا .