ومهما يكن فان الحسن حقيقة واقعة وقياسه جلي وواضح ، وان كثرت الأقوال وتضاربت الآراء في شرحه وتفسيره . ومن النتائج المترتبة على ادراك العقل للحسن والقبح أن كل شيء يحكم العقل بحسنه فهو محبوب شرعا ، وما يحكم بقبحه فهو مكروه كذلك ، وهذا معنى قول طائفة من فقهاء المسلمين :
« كل ما حكم به العقل حكم به الشرع . . . والعقل رسول في الباطن ، والشرع عقل في الظاهر - مثلا - إذا أدرك العقل ان العدل حسن والظلم قبيح نحكم بأن العدل محبوب للّه ، والثاني مكروه له ، لأن المفروض ان أوامر اللّه ونواهيه تتبع المصالح والمفاسد في نفس الأفعال التي تعلقت بها .
وقد ندرك الجهة الداعية لأمر اللّه ، والجهة الباعثة على نهيه ، وقد تخفى علينا تلك الجهات غير اننا نعلم علم اليقين بأن ما خفي علينا لو اطلعت عليه عقولنا لكان حكمها موافقا لحكم الشرع تماما ، لأننا نثق بعدل اللّه وحكمته أكثر مما نثق بمقدرة الطبيب واخلاصه الذي نستسلم له ولتعاليمه من دون قيد وشرط .
ومرة أخرى نقول : إذا عزلنا العقل عن ادراك الحسن والقبح للزم أن تكون الأشياء كلها في نظرة على نسق واحد ، فلا حق ولا باطل ، ولا خير ولا شر ، ولا صواب ولا خطأ ، وللزم أيضا أن يجيز العقل على اللّه سبحانه اللغو والعبث ، والترجيح بلا مرجح ، وانه لا مانع أبدا أن يأمر بقتل الأطفال والنساء والطيبين الأبرياء ، وان يعذب بناره الشهداء والأنبياء ، ويدخل جنته السفاكين وقتلة الشعوب ، وان يصدق الكاذب ، ويكذب الصادق .
إذ المفروض ان العقل لا يقر ولا ينكر ، لا يستحسن ولا يستقبح ، وانما توجد جهة الحسن في الشيء بعد أن أمر اللّه به ، وتتحقق جهة القبح فيه بعد ان ينهى عنه ، مع أن لعكس هو الصحيح ، أي أن اللّه أمر بهذا لأنه حسن ، ونهى عن ذاك لأنه قبيح ، بدليل قوله عزّ من قائل :
عقليات إسلامية — صفحة 190
مساهمون: محمد جواد مغنية
ص١٩٠