فالصدق والكذب ، والأمانة والخيانة ، سيان في الواقع قبل أن ينص الشرع على التحليل أو التحريم ، ومما احتج به هؤلاء - الآية 23 من سورة الأنبياء :
لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ
والنتيجة المنطقية لهذا القول أن لا فضائل ولا رذائل في الأفعال قبل أمر الشرع ونهيه .
ويكفي للرد على القائلين به ان عقولنا تدرك حسن الصدق النافع ورد الوديعة ووفاء الدين ، وقبح الكذب الضار والخيانة والتعاون على الإثم كما ندرك ضوء الشمس ، وكما نعلم أن ضم واحد إلى مثله يصبحان اثنين ، أجل إن اللّه سبحانه لا يأمر إلّا بالحسن ولا ينهي إلّا عن القبيح ، كما قال الإمام علي ، ولذا لا نقول : هذا حسن لأن اللّه أمر به ، وذاك قبيح لأنه نهى عنه ، وإنما نقول : إن اللّه أمرنا بهذا لأنه حسن ونهانا عن ذاك لأنه قبيح .
أما معنى قوله تعالى :
لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ
فهو أن العبد لا يحق له أن يقول للّه لم فعلت ؟ لأنه سبحانه قادر على كل مقدور ، وعالم بقبح القبائح وهو غني عنها . ومن كان كذلك استحال أن يفعل القبيح بخلاف العبد ، حيث يجوز عليه ذلك ، ولذا كان مسؤولا .
وقال المعتزلة والإمامية : إن الأفعال منها ما هو حسن بحكم العقل لا باعتبار حكم الشرع ، كالصدق النافع وما إليه ، ومنها ما هو قبيح كذلك ، كالكذب الضار ، ومنها ما لا يستقل العقل بالحكم عليه سلبا أو إيجابا ، فنحتاج حينئذ إلى الشرع ، كوجوب الوفاء بعقد البيع ، وتحريم