والآخرة :
« وَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا »
. « واعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا ، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا » . وتستوحي هذه الشريعة تحسين حال الجماعة تحسينا ينعكس على كل فرد ، وتربط حسن الأخلاق بالمصلحة الاجتماعية ، فالخير ان تبتغي الرزق بالعمل ، وتتعاون مع الناس على البرّ والتقوى . والشر ان تعيش على حسابهم ، وتتخذ من الرياء والنفاق أداة للكسب . وهذه هي شريعة الحياة بعينها ، تتفق مع الفطرة ، وتساير التطور الطبيعي ، وتسمح للانسانية بالتسامي إلى أقصى ما يمكن أن تصل اليه .
4 - ان الرسالة التي تسير بصاحبها على الورد ، ويكون هدفها الغنم له ولذويه فهي افتراء وزور ، أما الرسالة التي يلاقي صاحبها في سبيل انتشارها وبقائها العنت والجهد فهي صدق وعدل . وقد امتحنت الخطوب محمدا بما لم تمتحن به أحدا ، وحين كتب لدعوته النصر ، وتم له الفتح لم يظفر من الدنيا الا بما كان لعامة جنده وفقراء رعيته ، وكان في وسعه ومقدوره أن يكون أغنى الأغنياء .
جاء المشركون إلى عمه أبي طالب ، وقالوا له : ان ابن أخيك شتم آباءنا ، وسفه أحلامنا ، وعيّب آلهتنا ، فقل له ان يترك هذا الأمر ، ونحن نقيمه علينا ملكا ، ونقاسمه جميع أموالنا ، والا نازلناه ونازلناك حتى يهلك أحد الفريقين . وتقدم اليه عمه وقال له : يا ابن أخي أبق عليّ وعلى نفسك ولا تحملني ما لا أطيق . فأجابه الرسول : يا عم ، واللّه لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري لم أترك هذا الأمر حتى يظهره اللّه أو أهلك دونه .
لقد آثر محمد الفقر والعناء على السلطان والثراء ، لأنه صاحب رسالة لا طالب مال أو جاه ، وأصحاب الرسالة لا يرون الحياة الا في مبادئهم ، والتضحية في سبيلها بالنفس والنفيس . ومن هنا كتب لدعوة محمد الخلود والصمود ، وآمن بها مئات الملايين .