تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاسلام والعقل — صفحة 84

مساهمون:

ص٨٤

من هو المشرّع ؟

وهنا سؤال يفرض نفسه : من أين تستمد قوتها هذه الشريعة ؟ ومن الذي يجب أن نأخذها عنه ، ونرجع بها اليه ؟ وتقدم معنا اننا لا نستمدها من العقل وحده كما يدعي البراهمة ، فالعقل لا يلزمك ان تتحمل مرارة العيش ومتاعب الحياة من أجل زوجتك وتربية أولادك ، وأن تعمل ليل نهار تغرس وتبني للأجيال المقبلة التي لا يربطك بها رابط بعد أن تفارق الحياة ، وعقلك لا يلزمك أيضا بأن تضحي بدمائك وأموالك وأولادك في سبيل وطن ولدت فيه ، وأرض اللّه واسعة الفضاء . هذا ، إلى أن أكثر من يدّعون النظر والتفكير يشرحون بمنطق العقل - كما يزعمون - حوادث لا تمت اليه بصلة . وفي كل يوم نسمع ونرى العشرات من المتعلمين وغير المتعلمين يفعلون ويتركون بدافع من عاطفتهم ورغبتهم ، وهم يحسبون ان ما أقدموا عليه ، وأحجموا عنه كان باملاء العقل وحده ، وانهم لا يأتمرون الا بأمره ، ولا ينتهون الا بنهيه . وقد يقال : نأخذ الشريعة من الفلسفة ، ونجيب : ان للفلسفة مذاهب شتى فعلى أيها نعتمد ، على الفلسفة المثالية أو المادية ، ثم بأية مثالية نأخذ ، بالمثالية القائلة بأنه لا وجود للطبيعة أبدا الا في خيالنا وأذهاننا ، أو بالمثالية الزاعمة بأن الطبيعة موجودة ، ولكن العقل يعجز عن ادراكها ، وإذا تركنا هذه ورجعنا إلى الفلسفة المادية ، فهل نعتمد المادية الميكانيكية أو الديالكتيكية « 1 » .
هامش
( 1 ) الفرق بينهما ان الميكانيكية تفسر الوجود تفسيرا آليا محضا ، وتخضع كل كائن لقوانين صارمة يستحيل تغييرها أو تبديلها تماما كالاجرام السماوية التي تدور في أفلاكها برتابة ولا تحيد عنها قيد شعرة على العكس من المادية الديالكتيكية فإنها تنمو وتتطور على الدوام ، وبنتائجها تتفاعل وتتبادل التأثير ، وتأتي بنتائج أخرى ، وهكذا إلى ما لا نهاية .
الاسلام والعقل — صفحة 84 | محمد جواد مغنية