ونحن رجال الدين نلتقي مع الكاتب في أن هذا الرب الذي تصوره الأطفال وهؤلاء المتصوفون لا وجود له . وأظن أن الكاتب أيضا يلتقي مع الراشدين من أهل الإيمان لو عرف اللّه كما عرفوه بأوصافه وأفعاله على حقيقتها ، وعليه تكون المسألة بينه وبينهم مسألة التباس وسوء تفاهم :
ظن الكاتب ان الدين من صنع الانسان ، وان الإله من وهم الخيال فجحد وفند ، وهو على حق لو كان الأمر كذلك ، ولكن أنى يكون ؟ ! وهل يستطيع الانسان ان يفرض تصوراته على الكائنات الموجودة ، بل العكس هو الصحيح ، لأن الكائن يوجد مستقلا عن كل احساس وتفكير . وقد تصور كثير من الناس واعتقدوا ان الأرض مسطحة تقوم على قرن الثور ، وان الشمس تدور حول الأرض ، وما زالوا حتى اليوم يقولون طلعت الشمس ، وغربت الشمس ؛ فهل لعاقل ان يتخذ من هذه الأوهام والأخطاء دليلا على عدم وجود الأرض والشمس ، لأن الناس رسموا لها في أذهانهم أشكالا كاذبة ؟ ! . .
ولا أدري كيف اعتمد مصطفى محمود وأمثاله لنفي الخالق على تخيلات العجائز والأطفال ، وتجاهلوا أفكار الأقطاب الكبار الذين يعبدون إلها لم تبتدعه الخواطر والظنون ، بل تجلى للعقول النبرة ، والقلوب الصافية بقدرته ، وانه خلق كل شيء ، وهو لا يفتقر إلى شيء ، لا يظلم أحدا ، وينهى عن الظلم ويعاقب عليه ، يحكم بالقسط ويأمر به ، ويكافىء أهله بأضعاف ما يستحقون ، يساوي بين الجميع دون تفاضل الا بالتقوى وصالح العمل ، لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ، كريم رحيم لا ييأس أحد من رحمته ، لأنها أوسع من غضبه ونقمته . هذا جزء من صفاته القدسية التي لا تحيط بها الافهام ، وتجمعها كلمة واحدة ، وهي ان كل ما يمكن نسبته اليه تعالى من الحق والخير والجمال فهو ثابت له بالضرورة ، إذ لا فرق بالقياس إلى واجب الوجود بين القوة والفعل .
الاسلام والعقل — صفحة 34
مساهمون: محمد جواد مغنية
ص٣٤