استمرت ، والألم ينقص إذا اتصل ، وطقطقة الساعة مهما تعلو لا تكاد تسمع بعد أن يأنس بها السمع ، والطحان لا يفيق من جعجعة رحاه ، بل من انقطاعها . وقديما مل بنو إسرائيل المن والسلوى ، وقالوا :
« لن نصبر على طعام واحد » . كما قيل : ان الراحة في التغيير من حال إلى حال ، وان النعمة لا تعرف إلا بعد فقدها . وهكذا عرفت الشمس بعد غيابها ، ولو دام شروقها لخفيت على كثيرين . قال الإمام الغزالي في تفسير آية
« اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ » :
« إذا رأيت خضرة الربيع في ضياء النهار ، فلا تشك انك ترى الألوان ، وربما ظننت انك لا ترى مع الألوان ضياء الشمس ، وتقول :
لست أرى مع الخضرة غيرها ، إلا انك عند غروب الشمس تدرك تفرقة ضرورية بين اللون حال وقوع الضوء عليه ، وحال عدم وقوعه ، فلا جرم تعرف ان النور معنى يخالف اللون ، وانه يدرك مع الألوان ، إلا أنه لشدة ظهوره واتحاده باللون يختفي ، وقد يكون الظهور سببا للخفاء .
وهكذا لما تساوت الأشياء كلها على نمط واحد في الشهادة على وجود خالقها ، وان كل شيء يسبح بحمده لا بعض الأشياء ، وفي جميع الأوقات لا في بعضها ، لما تساوت الأشياء - ارتفعت التفرقة ، وخفي الطريق ، لأن الأشياء كثيرا ما تعرف بالأضداد ، فما لا ضد له تتشابه أحواله ، ولا يبعد أن يختفي ، ويكون خفاؤه لشدة ظهوره وجلائه . فسبحان الذي دل على ذاته بذاته ، وتنزه عن مجانسة مخلوقاته ، واختفى عن الخلق لشدة ظهوره ، واحتجب عنهم باشراق نوره .