ما توصل اليه العالم المتخصص في موضوع دراسته ليس الا قطرة من بحر
« وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا »
.
اذن حرية الفكر تعطى لأصحاب الفكر الذين يمتازون بالقدرة على الملاحظة ومعرفة المقاييس ، أما الجاهل فهو كالطفل لا يتسع فكره لادراك الحقيقة ، فكيف يسمح له بأن يكون صاحب الرأي في مجال العلم والتحقيق ؟ ! ان اطلاق العنان للجهال والأطفال معناه الفوضى والانهيار .
ان القوة شرط أساسي في الحرية بشتى أنواعها ، فقوة الوعي والنضوج شرط لحرية التفكير ؛ وقوة المال شرط لحرية الشراء ؛ وقوة الصحة شرط لحرية العمل والسفر .
ومصطفى محمود يعترف بهذه الحقيقة ، حيث قال في كتابه « اللّه والانسان » لا تستطيع ان تختار شيئا الا إذا كنت تملك ثمنه ، وإذا كنت لا تملك شيئا تستطيع ان تنتحر » . وقال في مكان آخر :
« أستطيع ان أمتنع عن الأكل ، ولكني لو امتنعت عن الأكل فاني أموت ، وبالتالي تموت حريتي معي » . وعلى هذا الأساس يصح القول :
ليس لانسان ان يناقش ويرفض الا إذا توفرت له قوة التمييز والمعرفة .
وقد تكلم المؤلف عن « اللّه والانسان » وحق علي وعلى كل منصف ان يعترف بأنه يملك الخبرة الكافية في كثير من أمراض المجتمع وعلاجها ، وقد ظهرت هذه الخبرة في كلامه عن الحرية ، ومنطق اللص ، ومعنى التقدم ، وأبدى ملاحظات دقيقة ونافعة . أما أسلوبه فعطر وزهر ، وليته أطال الكلام عن الانسان وحصر موضوعه فيه وحده ، وترك الحديث عن « اللّه » لذوي الاختصاص ، ولو فعل لسلم من تهمة القول بلا دليل ، ومن الجزم في مقام الشك .