بالمساء ، وإذا أمسيت فلا تحدّث نفسك بالصباح ، وخذ من حياتك لموتك ، ومن صحتك لسقمك ، فإنّك لا تدري ما اسمك غدا « 1 » .
وعن أمير المؤمنين عليه السّلام : إنّما أخاف عليكم اثنين : اتّباع الهوى وطول الأمل . أمّا اتّباع الهوى فإنّه يصدّ عن الحقّ . وأمّا طول الأمل فإنّه ينسي الآخرة « 2 » .
وروي أنّ أسامة بن زيد بن ثابت اشترى وليدة بمائة دينار إلى شهر .
فبلغ النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فقال : ألا تعجبون من اسامة المشتري إلى شهر ، أنّ اسامة لطويل الأمل . . . الحديث « 3 » .
وسبب طول الأمل هو حبّ الدنيا ، فإنّ الانسان إذا أنس بها وبلذّاتها ثقل عليه مفارقتها وأحبّ دوامها فلا يتفكّر في الموت الذي هو سبب مفارقتها ، فإنّ من أحبّ شيئا كره الفكر فيما يزيله ويبطله ، فلا يزال يمنّي نفسه البقاء في الدنيا ويقدّر حصول ما يحتاج إليه من أهل ومال وأدوات وأسباب ويصير فكره مستغرقا في ذلك ، فلا يخطر الموت بخاطره ، وان خطر بباله الموت والتوبة والإقبال على الأعمال الأخروية أخّر ذلك من يوم إلى يوم ، ومن شهر إلى شهر ، ومن سنة إلى سنة ، وقال : إلى أن أكتهل ويزول سنّ الشباب ، فإذا اكتهل قال : إلى أن أصير شيخا ، فإذا شاخ قال : إلى أن أتمّم عمارة هذه الدار أو ازوّج ولدي الفلاني أو إلى أن أرجع من هذا السفر . وهكذا يؤخّر التوبة شهرا بعد شهر وسنة بعد سنة ، وكلّما فرغ من شغل عرض له شغل بل أشغال حتّى يختطفه الموت وهو غافل عنه ، غير مستعدّ له ، مستغرق القلب في أمور الدنيا ، فتطول في الآخرة حسرته وتكثر ندامته ، وذلك هو الخسران المبين ، نعوذ باللّه منه .
هامش
( 1 ) صحيح البخاري : ج 8 ص 119 . نظير هذه الرواية .
( 2 ) الكافي : ج 2 ص 335 ح 3 .
( 3 ) المحجة البيضاء : ج 8 ص 245 نقلا عن البيهقي في شعب الإيمان .