المقام الأول : تعريف العلم وتنوع المباني في حقيقته
بعد وضوح المقدمة أعلاه نستوضح عن إمكانية تعريف العلم على هذا الأساس ؟
يبدو إنَّ الإجابة على هذا التساؤل تتنوع وفقاً لتنوع المباني في تفسير حقيقة العلم ، فقد اختلفت المباني في تفسير حقيقته ، فذهب المشاؤون إلى كونه عرضاً لا يقبل قسمةً ولا نسبةً لذاته ، فهو كيفية نفسانية داخلة تحت مقولة الكيف لصدق حدّها عليه ، وذهبت الحكمة المتعالية إلى أنَّ العلم ليس من سنخ الماهيات ، بل مرجعه إلى نحو من الوجود .
قال ابن سينا في إلهيات الشفاء : « فصل في العلم وأنه عرض » « 1 » .
وقال صدر المتألهين في الأسفار : « العلم لما كان مرجعه إلى نحو من
الوجود ، وهو الجوهر الحاصل للجوهر . . . . » « 2 » .
وعلى هذا فمن يذهب مذهب المشائين القائل بأنَّ العلم كيف نفساني يمكنه أن يعرّف العلم بتعريف رسمي ، ويمكنه إيجاد تعريف حدّى له أيضاً ؛ بداهة أنَّ العلم لديهم يعدُّ من الماهيات ، التي تستدعى وجود حدّ لها .
لكن من لا يرى العلم من سنخ الماهيات ، ويعدّه نحواً من الوجود ، فلا يمكن أن يعرّفه بتعريف حدّى ولا رسمي ، بل لا يمكنه أن يجد تعريفاً له إلا بأظهر خواصه فقط .
وهذا هو الذي ألجا المصنف إلى التعبير عن العلم بالمفهوم ، ولم يعبّر عنه بالماهية ؛ لأنه يذهب مذهب الحكمة المتعالية في تفسير حقيقة العلم ، وسنشير إلى هذا الاختلاف في المقام الثاني .
هامش
( 1 ) الشفاء ، الإلهيات ( 1 ) ، ابن سينا ، راجعه وقدّم له : الدكتور إبراهيم بيّومى مدكور ، تحقيق الأستاذين : الأب قنواتى ، سعيد زايد ، لم تذكر سنة الطبع : الفصل الثامن من المقالة الثالثة ، ص 140 .
( 2 ) الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة ، مصدر سابق : ج 1 ، ص 290 .