2 الإحساس الوجداني بالاستقلال واصطدامه بالبرهان
إن الإحساس بالاستقلال الوجودي يتحصل جراء علم حضوري بهذا الوجود ، وهو أمر وجداني لا يمكن فرض الشك فيه ، مع أنَّ البرهان قام على خلاف ذلك ، وأنَّ الوجود الإمكانى هو عين الربط والفقر والحاجة إلى علته ، وعلى هذا الأساس تثار إشكالية سريان هذا الشكّ إلى جميع العلوم الوجدانية ، فكيف يمكن الخروج من هذا المأزق الذي يهدم لنا الكثير من العلوم التي لم تثبت إلا من خلال هذا الوجدان ؟
قد يقال في جواب هذه الشبهة : إنَّ الأصل الوجداني المزبور صادق دون أي شك ، لكن الخطأ وقع في مرحلة التفسير ، فعندما يدرك الإنسان استقلاليته
فهو لا يدرك سوى وجوده الرابط المتعلق بذلك المعنى المستقل المقوّم له ، وعندما تأتى مرحلة التفسير يتوهم الإنسان أنَّ ذلك الوجود هو عينه ، فيقرر الاستقلالية .
ولكن هذا التفسير باطل ؛ فإنَّ الحاضر بالعلم الحضوري لدى المعلول هو ذلك المعنى المستقل للعلة لكن بحدّ المعلول ، وعندما أدركه الإنسان فسّره بالعلم الحصولي تفسيراً خاطئاً ، فاعتقد بأنَّ هذه الاستقلالية هي شأن المعلول ، وهى في الواقع شأن العلة . وهذا نظير الإحساس الحضوري بالجوع الذي يخطر للإنسان في بعض الأحيان جراء توهمات معيّنة ، ولكنه في واقع الأمر قد لا يكون جائعاً أصلًا ، بل إنه فسّر ذلك الإحساس تفسيراً خاطئاً .
لقد دلّ على هذا التوجيه العديد من الآيات والروايات أيضاً ، والتي يمكن جعلها شاهداً لهذا المطلب الحكمي ، خذ موضوع الإيمان بوجود إله لهذا العالم نموذجاً ، فقد نصّت الآية الكريمة على أنَّ الإيمان به فطرة إلهية فُطر الناس عليها ، لا يمكن التبدل فيها .