الأجزاء لا مجتمعها « 1 » .
وبعد أن ثبت تجرد العلم ، فلابد أن يثبت تجرد العالم أيضاً ؛ لأنَّ العلم حضور شئ لشئ ، والحضور يستدعى أن يكون الحاضر له مجرداً أيضاً ؛ بداهة أنه لو كان مادياً للزم تغيّر العلم معه بأي نحو فسّرناه ، وهو خلف فرضه مجرداً ، فلا محيص من القول بأنَّ العالم مجرد أيضاً .
ولا يخفى عليك بأنَّ هذا البرهان الذي ذكره المصنف هو أحد الأدلة التي أقامها صدر المتألهين على تجرد النفس ، حيث استدلّ على تجرد النفس من
خلال تجرد العلم « 2 » .
فالعلم هو : حضور أمر مجرد لأمر مجرد ، وقد يعبَّر عنه : بحضور شئ لشئ .
قال صدر المتألهين في تعريف العلم : « إنَّ العلم عبارة عن وجود شئ بالفعل لشئ ، بل نقول هو الوجود للشئ المجرد عن المادة ، سواء كان ذلك الوجود لنفسه أو لشئ آخر » « 3 » .
وقال في مكان آخر : « الإدراك عبارة عن وجود شئ لشى وحضوره له » « 4 » .
لا يقال : بأنَّ التعريف المتقدم هو تعريف بالأعم ؛ حيث إنَّ الحضور أعم
هامش
( 1 ) وتفرّق المادة هو الذي أدّى بالبعض إلى الذهاب إلى عدم علم الحق تبارك وتعالى بالموجودات المادية حضوراً ، من هنا لجؤوا إلى القول بأنَّ علمه تعالى هو بحضور وجوداتها المثالية أو العقلية . وقد أشرنا لهذه المسألة في النتيجة الثالثة التي ترتّبت على هذه النظرية ، وأشرنا بنحو الإيجاز إلى بطلانها ، وسيأتي الحديث حول هذا الموضوع في » الإلهيات بالمعنى الأخص « ، وسنثبت هناك بأن علمه تعالى بالماديات هو علم حضوري كما هو المشهور .
( 2 ) لاحظ : الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة ، مصدر سابق : ج 8 ، ص 43 .
( 3 ) المصدر السابق : ج 3 ، ص 354 .
( 4 ) المصدر السابق ، ج 6 ، ص 416 .