تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهاية الحكمة ( الإلهيات بالمعني الأخص ) — صفحة 402

مساهمون:

ص٤٠٢
وقد أجابت الحكمة المتعالية عن هذه الإشكاليّة من خلال إثبات الحركة في الجوهر ، فإنّه بناءً على ذلك يكون وجود الجوهر الجسماني هو عين التغيّر والحركة والسيلان ، فإفاضة الوجود يعني إيجاد الحركة لا إيجاد شيء ثمّ جعْله متحرِّكاً جعْلًا تركيبيّاً . ولا يلزم أن يكون الموجِد هنا متغيّراً ومتحرّكاً ، لأنّ الموجِد هو الفاعل الإلهي لا الفاعل الطبيعي . قال صدر المتألّهين : « إنّنا نقول : إنّ تجدّد الشيء إن لم يكن صفة ذاتيّة له ، ففي تجدّده يحتاج إلى تجدّد ، وإن كان صفة ذاتيّة له ، ففي تجدّده لا يحتاج إلى جاعل يجعله متجدّداً ، بل إلى جاعل يجعل نفسه جعْلًا بسيطاً لا مركّباً يتخلّل بين مجعول ومجعول إليه . ولا شكّ في وجود أمر حقيقته مستلزمة للتجدّد والسيلان ، وهو عندنا الطبيعة وعند القوم الحركة والزمان . ولكلّ شيء ثباتٌ ما وفعليّة مّا ، وإنّما الفائض من الجاعل نحو ثباته وفعليّته ، فإذا كان ثبات شيء ثبات تجدّده ، وفعليّته فعليّة قوّته ، فلا محالة يكون الفائض من الأوّل عليه هذا النحو من الثبات والفعليّة ، كما أنّ لكلّ شيء نحواً من الوحدة وهي مساوقة للوجود وعينه فإذا كانت وحدته عين كثرةٍ ما بالقوّة أو بالفعل ، كان الفائض عليه من الواحد الحقّ وحدة الكثرة بأحد الوجهين . والذي من الموجودات ثباته عين التجدّد هو الطبيعة ، والذي فعليّته عين القوّة الهيولى ، والذي وحدته عين الكثرة بالفعل هو العدد ، والذي وحدته عين قوّة الكثرة هو الجسم وما فيه . فالطبيعة بما هي ثابتة مرتبطة إلى المبدأ الثابت ، وبما هي متجدّدة يرتبط إليها تجدّد المتجدّدات وحدوث الحدوثات . وبهذا يحصل الارتباط بين القديم والحادث ، وينحسم مادّة الإشكال التي أعيت الفضلاء في دفعه » « 1 » .
هامش
( 1 ) المصدر نفسه : ج 3 ص 68 .