الفاعلُ العلميُّ الذي لعلمِه دخلٌ في تمامِ عليّتِه الموجبةِ إذا كانَ ناقصاً في نفسِه ، مستكملًا بفعلِه ، فهو بحيثُ كلّما قويتِ الحاجةُ إلى الكمالِ الذي يتوخّاهُ بفعلِه ، زاد اهتمامُه بالفعلِ وأمعنَ في إتيانِ الفعل بحيثُ يتضمّنُ جميعَ الخصوصيّاتِ الممكنةِ اللحاظِ في إتقانِ صنعِه واستقصاءِ منافعِه بخلافِ ما لو كان الكمالُ المطلوبُ بالفعلِ حقيراً ، غيرَ ضروريٍّ عندَ الفاعلِ ، جائزَ الإهمالِ في منافعِه وهذا المعنى هو المسمَّى بالعناية .
والواجبُ تعالى غنيُّ الذاتِ ، له كلُّ كمالٍ في الوجودِ ، فلا يستكملُ بشيءٍ من فعلِه . وكلُّ موجودٍ فعلُه ، ولا غايةَ لهُ في أفعالِه خارجةً من ذاتِه . لكن لمّا كان لهُ علمٌ ذاتيٌّ بكلِّ شيءٍ ممكنٍ يستقرُّ فيه ، وعلمُه الذي هو عينُ ذاتِه ، علّةً لما سواه ، فيقعُ فعلُه على ما علِمَ ، مِن
غيرِ إهمالٍ في شيءٍ ممّا علِمَ من خصوصيّاتِه ، والكلُّ معلومٌ ، فلهُ تعالى عنايةٌ بخلقِه .
والمشهودُ من النظامِ العامِّ الجاري في الخلقِ ، والنظامِ الخاصِّ الجاري في كلِّ نوعٍ ، والنظْمِ والترتيبِ الذي هو مستقرٌّ في أشخاصِ الأنواعِ ، يصدّقُ ذلكَ . فإذا تأمّلْنا في شيءٍ مِن ذلكَ وجَدنا مصالحَ ومنافعَ في خلقِه نقضي مِنها عجباً ، وكلّما أمعَنّا وتعمَّقْنا فيه بدتْ لنا منافعُ جديدةٌ وروابطُ عجيبةٌ ، تُدهشُ اللبَّ وتكشفُ عن دقّةِ الأمرِ وإتقانِ الصنع .
شرح نهاية الحكمة ( الإلهيات بالمعني الأخص ) — صفحة 219
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٢١٩