من هنا يتّضح أنّ المستشكل أخذ نقطة انطلاق الاستدلال من فرض وجود الممكن المتساوي النسبة إلى الوجود والعدم ، ودفعاً للدور والتسلسل لابدّ أن ينتهي إلى الواجب ، لذا اعترض بأنّه هذا سيرٌ من المعلول إلى العلّة ، وهو لا يفيد اليقين .
أمّا استدلال الشيخ فلم ينطلق من فرض وجود الممكن ، وإنّما انطلق من موجود ما ، وهو إمّا مترجّح بذاته أو يستلزم المترجّح بالذات ، فلا يوجد عندنا علم بوجود الممكن ، لأنّ هذه قضيّة شرطيّة صادقة وإن لم يتحقّق طرفاها ، بخلاف نقطة انطلاق المستشكل الذي فرض وجود الممكن مفروغاً منه .
وبهذا يتّضح الفرق بين هذا البرهان ، وبرهان الوجوب والإمكان ، الذي لم يتعرّض له المصنّف هنا ، حيث إنّه يسلك فيه من وجود الممكنات إلى إثبات وجود الواجب بمعونة بطلان الدور والتسلسل ، فهو برهان إنّي يسلك فيه من
المعلول إلى العلّة ، ويبدو أنّ الذي حمل المصنّف على إهمال هذا البرهان ، ما كان يراه من أنّه لا يفيد اليقين . وإن كان التحقيق خلاف ذلك كما أشرنا .
تعليقات على المتن
ذ قوله ( قدس سره ) : « لا ريب أنّ هناك موجوداً ما » .
المراد من قوله « موجوداً ما » ما هو بنحو القضية المهملة ، التي تصدق مع كون الموجود في الخارج واحداً أو كثيراً . وعلى هذا الأساس فإنّ النتيجة التي ينتهي إليها هذا البرهان هو إثبات كون هذا الوجود المفروض واجباً بالذات ، أمّا كونه واحداً أو كثيراً فيحتاج إلى بيان آخر .
ذ قوله ( قدس سره ) : « فإن كان هو أو شيء منه » .
أي إذا كان ذلك الوجود المفروض وهو « موجود ما » واحداً وهو الواجب ، أو كان « موجود ما » كثيراً فالواجب أحدها .