فالأجسام كلّها حادثة ؛ وكلّ حادث مفتقر إلى محدث 33 ؛ فمحدثها أمر غير جسم ولا جسمانيّ 34 ، وهو الواجب تعالى ، دفعا للدور والتسلسل 35 .
والحجّة غير تامّة ، فإنّ المقدّمة القائلة : « إنّ ما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث » لا بيّنة ولا مبيّنة 36 . وتغيّر أعراض الجوهر عندهم غير ملازم لتغيّر الجوهر 37 الذي
شرح
- وهو قولهم : « الأجسام لا تخلو عن الحركة والسكون » ؛ لأنّ وجود الجسم في أوّل الحدوث حصول غير مسبوق بكون آخر ، فلا يكون الجسم على ذلك لا ساكنا ولا متحرّكا . كما اعترف بهذا المشكل في شرح المواقف ، ج 6 ، ص 166 ، س 2 .
وأجيب بأنّ الكلام في الكون المسبوق بكون آخر ، للقطع بأنّ الكون الذي لا كون قبله حادث قطعا ، وفيه المطلوب . راجع شرح المقاصد ، ج 3 ، ص 112 .
33 - قوله قدّس سرّه : « وكلّ حادث مفتقر إلى محدث »
بناء على ما تبنّاه المتكلّمون من أنّ علّة الاحتياج إلى العلّة هو الحدوث .
34 - قوله قدّس سرّه : « فمحدثها أمر غير جسم ولا جسمانيّ »
أمّا أنّه ليس بجسم فواضح ، حيث ثبت أنّ الأجسام كلّها حادثة .
وأمّا أنّه ليس بجسمانيّ فلأنّ الجسمانيّ إمّا مادّة ، وإمّا أمر حالّ في الجسم ، أمّا المادّة ، فليس من شأنها الفعل بعد ما كانت قوّة صرفة لا شأن لها إلّا القبول والانفعال ، وأمّا الامر الحالّ في الجسم ، فلأنّ الحالّ محتاج إلى المحلّ في تشخّصه ، فيمتنع أن يكون الجسم حادثا ويكون الجسمانيّ غير حادث . وبهذا يعلم أنّ الجسمانيّ حادث كالجسم ، بل بطريق أولى .
35 - قوله قدّس سرّه : « دفعا للدور والتسلسل »
تعليل لقوله : « فمحدثها أمر غير جسم ولا جسمانيّ » . لا لقوله : « وهو الواجب » ، لأنّه لو كان كذلك لوجب أن يقال : وهو الواجب أو ما ينتهي إليه . ولا يرى المتكلّم نفسه محتاجا إلى هذه الزيادة ، لأنّ ما ليس بجسم ولا جسمانيّ منحصر عنده في الواجب ، فإنّه ينفي التجرّد عن غيره تعالى .
36 - قوله قدّس سرّه : « لا بيّنة ولا مبيّنة »
وإن عدّوها بديهيّة ، فاستغنوا بذلك عن الاستدلال عليها . فراجع كشف المراد . ص 173 .
37 - قوله قدّس سرّه : « وتغيّر أعراض الجوهر عندهم غير ملازم لتغيّر الجوهر » -