فصل الأوّل [ في انقسام الوجود إلى ذهنيّ وخارجيّ ]
المعروف من مذهب الحكماء أنّ لهذه الماهيّات الموجودة في الخارج ، المترتّبة عليها آثارها 1 ،
شرح
1 - قوله قدّس سرّه : « أنّ لهذه الماهيّات الموجودة في الخارج ، المترتّبة عليها آثارها »
لا يخفى عليك : أنّ كلماته في هذه المرحلة تدور على محور أصالة الماهيّة ، حيث اعتبر الماهيّات موجودة في الخارج ذوات آثار ، واعتبر حصول ماهيّات الأشياء في الذهن علما بها ، وحصر الوجود الذهنيّ في حصول ماهيّات الأشياء في الذهن ، ونفى الوجود الذهنيّ عن الوجود .
وشيء من هذه الأمور لا يستقيم على القول بأصالة الوجود ؛ فإنّ عليها لا تكون الماهيّات موجودة في الخارج تترتّب عليها آثارها ، ويكون عدّ حصول الماهيّات في الذهن علما بها من السفسطة ، فإنّ الماهيّات أمور تعتبرها الذهن ولا وجود لها في الخارج ، والواقع الخارجيّ لا يكون شيئا غير الوجود ، فما في الذهن لا واقع خارجيّ له ، وما في الخارج لم يحصل في الذهن .
وبما ذكرنا يظهر أنّه على القول باعتباريّة الماهيّة لا يبقى موقع لدعوى علم بالأشياء ، إلّا بأصل وجودها ، حيث إنّ ما به يمتاز الأشياء بعضها عن بعض - وهي الماهيّات - ليست إلّا اعتبارات للذهن . ولا واقع لها في الخارج .
وأمّا على ما ذهبنا إليه ، من تحقّق الوجود والماهيّة كليهما ، فالوجود الذهنيّ عبارة عن المفهوم الحاصل في الذهن ، الذي يكون حاكيا بالذات لما وراءه ؛ سواء كان مفهوما ماهويّا أم غيره . ويشهد له الوجدان ؛ فإنّ المفهوم من حيث إنّه مفهوم شأنه الحكاية ، ولا فرق في ذلك بين أنواع المفاهيم ، فمفهوم الوجود يحكي زيدا مثلا بما أنّه عين خارجيّ ، ومفهوم الإنسان يحكيه بما أنّه جوهر ذو أبعاد نام حسّاس متحرّك بالإرادة ناطق ، ومفهوم العالم يحكيه بما أنّه ذو كمال خاصّ ، وهكذا كلّ ما يصدق عليه من المفاهيم . ومصداق جميع هذه المفاهيم واحد هو وجود زيد الخارجيّ . فكلّ مفهوم يحكي ما في الخارج على قدر ما يكون مفهوما عنه . والآثار إنّما