فكذلك نشأة البعث محيطة بالدنيا والبرزخ على ما يعطيه البرهان السابق واللاحق ، ومع الغضّ عن الإحاطة أيضا ، فانطواء بساط الزمان وانقطاع الحركات بين النشأتين يوجب انقطاع النسبة الزمانيّة ، ويبطل بذلك قبل وبعد .
واعلم أنّ هناك آيات أخر قريبة السياق من الآيات المذكورة آنفا ، غير أنّها تعطي نحوا آخر من المعنى .
قال سبحانه :
وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ فَكانَتْ سَراباً
« 1 » .
فإنّ تسيير الجبال بنقل أمكنتها وجعلها كثيبا مهيلا وكالعهن المنفوش لا ينتهي إلى كونها سرابا ، وذلك ظاهر .
وقال سبحانه :
وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ
« 2 » .
فإنّ ظرف «
تَرَى
» إمّا حال الخطاب أو حال النفخ ، كما يؤيّده وقوع الآية بعد آية النفخ ، فتنطبق على زلزلة الساعة ، وهي التي بها تذهل كلّ مرضعة عمّا أرضعت ، وتضع كلّ ذات حمل حملها ، وترى النّاس سكارى ، وهي لا تلائم قوله تعالى :
تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ .
فإنّها تدلّ على أنّ الجبال حينئذ على ظاهر كيفيّتها الجسمانيّة من الأبّهة والعظمة والاستقرار والتمكّن ، مع أنّها من غير هذه الحيثيّة غير مستقرّة ، بل سارية .
ومن الدليل عليه قوله :
صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ
« 3 » .
فإنّه لا يلائم فناء الجبال واندكاكها ، بل يشعر بأنّها في صنعها متقنة غير هيّنة
هامش
( 1 ) سورة النبأ : الآية 20 .
( 2 ) سورة النمل : الآية 88 .
( 3 ) سورة النمل : الآية 88 .