ولقد سمعت بعض مشايخي ، وقد سئل عن طريق معرفة النفس : لم لم يبيّن شرعا ، وهو أقرب الطرق إلى اللّه سبحانه ؟
فقال مدّ ظلّه : وأيّ بيان في الشرع لا يروم هذا المقصد ، ولا يشرح هذا الطريق ؟
ومن هنا ربّما يذكر بعض هذه الطبقة في تفسير بعض الآيات والأخبار ، معاني بعيدة عن فهم العادي كلّ البعد .
هذا ، والذي ينبغي أن يعلم هاهنا أنّ هذا الطريق مركّب من فعل وترك ، وهو رفض غير اللّه ، والتوجّه إلى اللّه سبحانه ، وهما كالمتلازمين أو متلازمان ؛ إذ قد مرّ أنّ العلم باللّه أبده البديهيات ، وإنّما الحاجب عنه هو الغفلة دون الجهل ، وذلك بالاشتغال بحطام الدنيا ، وعرض هذا الأدنى ، فما جعل اللّه لرجل من قلبين في جوفه .
فالاشتغال بها يوجب حبّها ، وتعلّق الهمّة كلّها بها ، فيشغل ذلك حيّز القلب ، فلا يصفو مرآته حتّى ينعكس فيها جمال الحقّ سبحانه ، ويحصل المعرفة ، فإنّ الأمر أمر القلب .
وإن شئت اختبار صدق ما ذكرناه ، أمكنك اعتباره بأن تأخذ لنفسك مكانا خاليا ، لا يكون فيه شاغل زائد من النور والصوت والأثاث وغيرها .
ثمّ تقعد قعودا لا يشغلك بفعل زائد مع غمض العين .
ثمّ تتوجّه إلى صورة ما خياليّة ، بأن تشخص بعين خيالك إلى صورة « أ » مثلا ، وتتنبّه لكلّ صورة خيالية تطرقك لتستعمل الإعراض عنه إلى صورة « أ » ، فإنّك تجد في بادئ الأمر صورا خياليّة معترضة مزدحمة عندك مظلمة مشوّشة ، لا يتميّز بعضها عن بعض ، من أفكار اليوم والليلة ، ومقاصدك وإرادتك ، حتّى ربّما تتيقّظ بعد مضي نحو ساعة أنّك في مكان كذا ، أو مع شخص كذا ، أو في عمل كذا . هذا مع أنّك قد شخصت ببصر خيالك نحو « أ » ، وهذا التشويش يدوم معك مدّة .
الإنسان والعقيدة — صفحة 257
مساهمون: السيد محمدحسين الطباطبائي
ص٢٥٧