الفصل الخامس فيما يناله الإنسان بكماله
وهذا الفصل كالتوضيح لما مرّ في الفصل الثاني من الكلام .
نقول : قد عرفت أنّ كمال الإنسان فنائه بأقسامه الثلاثة ، وبعبارة أخرى : التوحيد الفعلي والاسمي والذاتي .
وقد عرفت أيضا أنّ كلّ موجود فقربه من الحقّ سبحانه على قدر حدود ذاته وأعدامه ، فالوسائط التي بين نشأة الإنسان البدنيّة وبين الحقّ سبحانه ، مترتّبة بحسب حدود ذواتها .
فالإنسان في سيره إلى الحقّ سبحانه لا بدّ أن يعبر من جميع مراتب الأفعال والأسماء والذوات ، حتّى ينال التوحيدات الثلاثة .
وحيث إنّه لا ينال مرتبة من مراتب كماله إلّا بفنائه وبقاء ذلك الكمال في المحلّ ، فهو في كلّ مرتبة واقف على مجرى جميع أنواع الفيوضات المترشّحة من تلك المرتبة إلى ما دونها ، متحقّق به ، حتّى ينال توحيد الذات ، ولا يبقى له اسم ولا رسم ، والملك يومئذ للّه .
وهذا البرهان على وجازته ، مشتمل على جميع مقامات الأولياء ، منبئ عن شؤونهم ، كاف لمن فهمه .
وأمّا خصوصيّات مقاماتهم فلا يحيط بها إلّا ربّهم عزّ اسمه .