وعمل وخلق حسن كأنّ أستار الغيب مرتفعة عنه ، وكأنّ ما وراء الحجاب مكشوف له ، لا يستفزّ عن عينه ، وليس كذلك .
وهو المأيوس عن مشاهدة ما وراء الحجاب ، وقد وطّن نفسه لما بعد الموت .
فإنّما له صالح العمل وجزيل الثواب فحسب ، لا يرزق خيرا من ذلك .
وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ إِنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ
« 1 » .
وهؤلاء أيضا طبقة ، وذلك مقامهم في العلم والعمل ، يشتركون مع الطبقة الأولى في العلم ، ويفترقون عنهم في العمل .
وإذا فرضنا واحدا من المحبّين المشتاقين ، وهو رجل أخذته بارقة الحبّ ، وجذبته جذبة الشوق إلى لقاء اللّه سبحانه ، فانهدّت أركانه ، واضطربت أحشائه ، وحار قلبه ، وطار عقله ، وانسلّ عن الدنيا وزخارفها ، ولم يقع همّه على العقبى ونعيمها ، ولا دين للمحبّ إلّا المحبوب ولا مطلوب له إلّا المطلوب .
إذا سمع اللّه سبحانه يقول لعباده :
فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ
« 2 » ، ويقول :
إِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ
« 3 » ، ذمّ الدنيا وزخارفها ، وأعرض عن زخارفها لأنّه سبحانه يذمّها ، ولو أنّه مدحها لمدحها على فنائها وخسّتها .
وإذا سمعه سبحانه يقول :
وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ
« 4 » ، مدح الآخرة لأنّه سبحانه يمدحها ، ولو أنّه ذمّها لذمّها على بقائها وشرفها .
هامش
( 1 ) سورة الشورى : الآية 27 .
( 2 ) سورة لقمان : الآية 33 .
( 3 ) سورة محمّد صلّى اللّه عليه واله : الآية 36 .
( 4 ) سورة العنكبوت : الآية 64 .