شرعا للانقطاع من التوبة والإنابة والمحاسبة والمراقبة والصمت والجوع والخلوة والسهر ويجاهد بالأعمال والعبادات ، ويؤيّد ذلك بالفكر والاعتبار ، حتّى يورث ذلك انقطاعا منها إلى النفس ، وتوجّها إلى الحقّ سبحانه ، ويطلع من الغيب طالع ، ويتعقّبه شيء من النفحات الإلهيّة والجذبات الربّانيّة ، ويوجب حبّا وإشرافا ، وذلك هو الذّكر .
ثمّ لا يزال بارق يلمع ، وجذبة تطلع ، وشوق يدفع ، حتّى يتمكّن سلطان الحبّ في القلب ، ويستولي الذّكر على النفس ، فيجمع اللّه الشمل ، ويختم الأمر وإنّ إلى ربّك المنتهى .
واعلم أنّ مثل هذا السائر الظاعن مثل من يسلك طريقا قاصدا إلى غاية ، فإنّما الواجب عليه أن لا ينسى المقصد ، وأن يعرف من الطريق مقدار ما يعبر منه ، وأن يحمل من الزاد قدر ما يحتاج إليه .
فلو نسي مقصده آنا ما هام على وجهه حيران ، وضلّ ضلالا بعيدا .
ولو ألهاه الطريق ومشاهدته وما فيه بطل السير ، وحصل الوقوف .
ولو زاد حمل الزاد تعوّق السعي وفات المقصد ، واللّه المستعان سبحانه .
فإن قلت : هب أنّه ثبت بهذا البيان على طوله أن أقرب الطرق إلى اللّه سبحانه طريق معرفة النفس ، لكن لم يثبت بذلك وجود بيان خاصّ في الشريعة لهذا الطريق ، يتبيّن به كيفيّة الدخول والخروج فيه ، وشؤون سلوكه على دقّته وخطره وكثرة أهواله ومخاطره وعظم تهلكته وبواره . فأين البيان الوافي بجميع هذه الخصوصيّات والفارق بين المنجيات والمهلكات ؟
قلت : قد أشرنا في الفصل الثاني من هذه الرسالة إلى أنّ البيانات الواردة في الكتاب والسنّة بيان واحد ، وإنّما الاختلاف في ناحية الأخذ والتفاوت في إدراك المدركين .
الإنسان والعقيدة — صفحة 251
مساهمون: السيد محمدحسين الطباطبائي
ص٢٥١