الماضية في الفصول السابقة من هذه الرواية وحدها ، فلا نطيل البيان .
وبالجملة ، فإذا شاهد ربّه ، عرفه وعرف نفسه وكلّ شيء به ، وحينئذ يقع التوجّه العبادي موقعه ، ويحلّ محلّه ؛ إذ بدونه كلّ ما توجّهنا إليه فقد تصوّرنا شيئا ، كائنا ما كان . وهذا المفهوم المتصوّر ، والصورة الذهنيّة ، وكذا مطابقة المحدود المتوهّم ، غيره سبحانه ، فالمعبود غير المقصود .
وهذا حال عباده غير العارفين من العلماء باللّه ، وقبول هذا النحو من العبادة مع ما عرفت من شأنها من فضل اللّه تعالى محضا .
قال سبحانه :
وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً
« 1 » .
وهذا بخلاف عبادة العارفين باللّه المخلصين له ، فإنّهم لا يتوجّهون في عبادتهم لا إلى مفهوم ، ولا إلى مطابق مفهوم ، بل إلى ربّهم جلّت عظمته وبهر سلطانه .
قال سبحانه :
سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ * إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ
« 2 » . ومن هنا يظهر أنّ المراد بالمخلصين هم الذين أخلصوا ( بالبناء للمجهول ) للّه سبحانه ، فلا حجاب بينهم وبينه ، وإلّا لم يقع وصفهم موقعه . وحيث إنّ الخلق هم الحجاب ، كما قال سيّدنا موسى بن جعفر عليه السّلام : « ليس بينه وبين خلقه حجاب إلّا خلقه » « 3 » - الحديث ، فهم لا يرون الخلق وإنّما يقصدون الحقّ سبحانه .
وفي تفسير العسكري عليه السّلام : وقال محمّد بن عليّ الباقر عليه السّلام : « لا يكون العبد عابدا للّه حقّ عبادته حتّى ينقطع عن الخلق كلّهم إليه ، فحينئذ يقول : هذا خالص لي فيقبله بكرمه » « 4 » .
هامش
( 1 ) سورة النور : الآية 21 .
( 2 ) سورة الصّافّات : الآيتان 159 و 160 .
( 3 ) بحار الأنوار : 3 / 327 ، باب 14 - نفي الزمان والمكان والحركة والانتقال عنه تعالى ، الحديث 27 .
( 4 ) تفسير الإمام عليه السّلام : 328 ، التواضع وفضل خدمة الضيف ، الحديث 181 .